وجه يسوع الآخَر!

| رندلى جبور |

 

كثيرون لا يعرفون إلا وجهاً واحداً ليسوع. فهم يتغاضون عن الوجه الآخَر، الجزء الآخَر منه، وهو الأهم، إما لأنهم لا يمتلكون الجرأة للتمثّل به، وإما لأنهم أبناء تعاليم مجتزأة أو منقوصة، بقصد إبقائهم في “بيت الطاعة”.

كثيرون يعرفون يسوع المحبة والتسامح، وهو حتماً كذلك، ولكنه أيضاً مَن نبّهنا مِن أن نرمي جواهرنا للخنازير فيدوسونها. فِعلُ المحبة رُقيّ، ولكنه لا يعني عدم التمييز بين الجيد وبين السيء الذي اعتبره سيدنا خنزيراً، وهنا لا يجب أن نضع طاقاتنا وعطاءاتنا ومواهبنا ووزناتنا وحبّنا، لئلا تضيع أو تُدنّس. فهذه كلّها قيم وهي كالكريستال، ممنوع أن تُداس وإلا فتصبح فتاتاً بلا قيمة.

ويسوع إياه طلب أن نخرج من مدينة “الأشرار” وننفض عن أحذيتنا الغبار، فكيف عن قلوبنا ونفوسنا؟ وهذا يعني أن فكرة التسامح لا تبرّر فعل السوء وهي لا تلغيه. وهي دعوة مسيحية واضحة إلى عدم البقاء حيث الموبوء والموبقات، إذا ما رفض أصحابها تنظيفها، أو حتى إذا أنكروا وجودها.

ويسوع دعانا إلى أن نحترس من “كل مَن ظلم ويظلم، لأن الرب إلهك يكره كل من يعمل بالظلم، والسماء والأرض شاهدتان على الظالم” كما قال، فإذا كان الله يكره هؤلاء، كيف لنا نحن البشر أن نحبهم، ومن ضمنهم المعتدي والكاذب والمتلكئ والمؤذي؟

وصحيح أن المسيح نادانا لنكون وُدَعاء كالحمام، ولكنه في آن نادانا لنكون حكماء كالحيّات، وأن نعرف كما هو “ما في داخل الانسان” أي النوايا، وهو بناءً على معرفته تلك، رفض يوماً أحد طالبي الانتماء إليه… نعم رفضه في مملكته التي “ليست من هذا العالم”.

والرفض عند يسوع عبّر عنه الدكتوران ماري وسمير خوري في كتاب “شعلة الحرية والسلام”، ويبدأ من رفض “حتميات الطبيعة بتهدئته العاصفة”، مروراً برفض “ينبغيات المجتمع واستعبادات التسلط والقزميات والتفاهات”، وصولاً إلى “مقدسات الشريعة ونجوميات التمظهر”، ليعلّمنا أن لا نكون أبناء القبول المطلق أو المجاني بكل شيء، أو التبعية العمياء، أو الانبطاحية الخرساء، ليعلّمنا أن نكون ثائرين من أجل الحق.

وأخيراً، حذّر السيد المسيح من “خمير الفريسيين”، و”الخمير” هو الخبز، ولكنه أيضاً الخبث الذي يغزو مجتمعنا، وكثيرون يكذبون على الكثيرين، لأنهم يخافون من الحقيقة وأثمانها. ووحدهم القادرون على التحرر بالحقيقة هم الأبطال.