قصر بعبدا رئاسة

رئيس للبنان.. قبل الرئاسة الأميركيّة؟

| جورج علم |

لا يستطيع أحد أن يجزم بأن العزائم تأتي على قدر أهل العزم، فالمسار طويل، ومكلف، والمحطات الكبرى لا تزال منكفئة وراء جبال المصالح الكبرى. وتبقى الأماني المحليّة معلّقة على جدران السراب. لم يعد “طوفان الأقصى” مجرّد تحوّل في ديناميّة المنطقة، وحركة شعوبها، وأنظمتها، بل هو مؤشر لتصادم كبير بين حضارات لها جذور تاريخيّة، وامتدادات جغرافيّة، سعياً لفرض هيمنات، وتكريس أمر واقع جديد.

كلّ المرتجى، أن يسلم الأقصى من الطوفان، في ظلّ الإعصار المتنقل من ساحة إلى أخرى. وتبقى المستجدات متسارعة، وكل يوم يحمل جديداً. وتبقى غزّة العنوان، لكن المنحى الذي بلغته يموج فوق منعطفات كبرى، وهناك اهتمام متزايد بحروب خمسة متفرّعة: حرب “حزب الله” انطلاقا من الجنوب. حرب الصواريخ والمسيّرات الحوثيّة في البحر الأحمر. حرب طرد القوات الأميركيّة من العراق. حرب إيران على فصائل كرديّة. تسخين الجبهة السوريّة بعد الغارة على المزّة.

كان “الطوفان” نقطة الإنطلاق، وبعد نيف وثلاثة أشهر من القتال، والنضال، إنتصر الرقم، وتحوّل تعداد الضحايا إلى روتين يومي، فيما يستمر المسار مظلماً داخل النفق، قبل أن يدرك المحطات المفصليّة. إلاّ أن متغيرات حصلت، ولم تعد الأنظار مشدودة إلى غزّة، بقدر ما هي مصوّبة نحو البحر الأحمر، وما يجري عند باب المندب. ولم يعد الاهتمام حكراً على تهديدات نتنياهو لقادة “حماس”، بقدر ما أصبح حكراً على المسعى الذي يشارك في صياغته لإخراجهم من القطاع، كجزء من “صفقة”. ولم يعد الحديث مقتصراً على تحديد مواصفات “اليوم التالي” في غزّة، بقدر ما أصبح منصبّاً على توفير سلامة الملاحة في الخليج، وكيفية مواجهة الصواريخ المعترضة.

حتى هذه العناوين، على أهميتها، أصبحت مجرّد تفصيل في الرواية الأميركيّة المتداولة حديثاً. ومن المقتبسات، أن الرئيس جو بايدن قد ضاق ذرعاً بالدبلوماسيّة الفاقدة الهيبة، والنفوذ، كونها حركة من دون بركة، ومجرّد تصريحات تقول كلّ شيء، ولا تقول شيئاً، وقد انعكس الأداء على “السطوة” الأميركيّة في العالم، وخصوصاً في هذه المنطقة الحيويّة التي تصنّف تاريخيّاً على أنها مربط خيلها.

وضاق ذرعاً بالسياسة العسكريّة. وزير دفاع مريض، يدخل المستشفى، ويغادره، دون إبلاغ رئيسه. وجسر جوي، ودعم عسكريّ لا محدود لحرب نتنياهو في غزّة، مقابل استراتيجيّة فاشلة لم تتمكن من دمج المطالب الإسرائيليّة في “بنك الأهداف” الأميركيّة، لا بل خرج نتنياهو في مرّات كثيرة ليملي على الرئيس بايدن ما يجب فعله بدلاً من أن ينصاع إلى إملاءاته.

ومن النتائج الصادمة للبيت الأبيض أن التعهد بعدم فتح الجبهات، أو توحيدها، أو توسيعها، أصبح مجرّد وجهة نظر توقف عندها الكونغرس، وهو يناقش مشروع الدعم المالي لكل من “إسرائيل” وأوكرانيا، وسجّل في مرمى إدارة الرئيس بايدن هدفين نظيفين:

الأول ـ التخوف من بدء الانزلاق الأميركي المباشر في حروب المنطقة خصوصاً على الجبهتين اليمنيّة والعراقيّة.
والثاني ـ إن ما يجري في البحر الأحمر، طرح تحديات. من يملك السيطرة، وقرار المبادرة: الولايات المتحدة على رأس قائمة “التحالف الدولي”، أم محور الممانعة بقيادة إيران؟ وماذا عن اليوم التالي في هذا الممر المائي الحيوي؟ وهل يخضع لمعايير الإستراتيجيّة الأميركيّة ـ الدوليّة، أم للتوازنات الجديدة التي تحاول أن تفرضها الصواريخ والمسيّرات باتجاه قوافل السفن التجاريّة؟

ومع دخول الإدارة الأميركيّة سنة الانتخابات، حصل تطوران لافتان: المزيد من الصلاحيات لوكالة المخابرات الأميركيّة، ورئيسها وليام بيرنز، لهندسة الحلول والمخارج مع تل أبيب، وسائر العواصم المعنية، انطلاقاً من قطاع عزّة، مروراً بسائر الجبهات الساخنة. ثم إعطاء زخم للدور الأوروبي “كرافعة” للدور الأميركي، وهذا ما دفع بالمسؤول عن السياسة الخارجيّة والأمن، جوزيب برويل، أن يتولّى المهمة بالتنسيق مع الفرنسي جان إيف لودريان.

وقد تمكّن المسؤول الأوروبي فعلاً من توجيه رسائل بإتجاه الكرملين، الغاية منها بدء حوار حول أوكرانيا والشرق الأوسط، كما فتح نافذة على الإيراني حول ما يجب عمله لتفادي مواجهة كبرى في المنطقة، والبدء في إطفاء الحرائق على سائر الجبهات المشتعلة، وأدخل الجنوب كأولوية، نزولاً عند إلحاح إسرائيلي، لتامين عودة آمنة إلى الذين تركوا المنازل شمال فلسطين المحتلّة، وتماشياً مع الرغبة اللبنانية الرسمية في تنفيذ القرار 1701. كما وضع خريطة طريق توازي وتوازن بين ملء الفراغ الأمني في الجنوب، وملء الفراغ الرئاسي في بعبدا.

العنصران ـ بنظر الأوروبيّين والأميركيّين ـ ضروريان، وكلّ يكمّل الآخر. ولا يمكن تغيير الواقع القائم في الجنوب في ظلّ عدم وجود رئيس يوقّع، ويتحمل المسؤولية الدستوريّة. كما لا يمكن إنتخاب رئيس في ظلّ الوضع القائم راهناً في الجنوب.

أما كيف ومتى يكون ذلك؟ فالجواب رهن التطورات، لكن بعض الأمل جاء بصيصه من المنتدى الإقتصادي العالمي في “دافوس” وحيث نقل عن وزير الخارجيّة الأميركي أنتوني بلينكن أنه “يتوقع أن يكون في لبنان رئيس.. قبل احتدام الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة”.

ويبقى السؤال: ماذا عن محور الممانعة بقيادة إيران؟ هل تسهّل؟ وبأيّ ثمن؟