حروب أميركا بعد 11 أيلول قتلت 4,5 مليون شخص!

كشف تقرير أن مرحلة ما بعد 9/11 من احتلال أفغانستان والعراق، علاوة على الحرب الدولية ضد “الإرهاب”، قد أسهمت في أعداد من الوفيات زادت عن عدد القتلى الذين ماتوا في هجمات تنظيم “القاعدة” ضد الولايات المتحدة في 11 أيلول/سبتمبر 2001، مع أن عدد القتلى جراء حروب الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الهجمات من الصعب تقديرهم أو تحديدهم.

وأسهمت حروب أميركا في موجات من “الإرهاب” والمجاعات المدمرة والكوارث البيئية وانتشار المرض. ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته مريام بيرغر أشارت فيه لتقدير جديد من جامعة براون الأميركية، وبنى أرقامه على بيانات الأمم المتحدة ومحاولة المحللين تحليل وحساب الحد الأدنى للوفيات المفرطة المنسوبة للحرب على الإرهاب في النزاعات بأفغانستان وباكستان والعراق وسوريا وليبيا والصومال واليمن، ووجدوا أن “الأثر واسع ومعقد”، واعترفوا أنهم ليسوا مؤهلين لتحديد الرقم الحقيقي. لكنهم توصلوا إلى رقم تقديري وهو 4,5 إلى 4,6 مليون شخص، وهو رقم في تزايد مستمر نظرا للآثار المتزايدة التي لا يزال صداها يتردد.

ومن بين الوفيات، سجلت الدراسة ما بين 3,6 ـ 3,7 مليون وفاة “غير مباشرة” نجمت عن التدهور الإقتصادي والبيئي والنفسي والظروف الصحية. وقتل أكثر من 7,000 جندي أميركي في العراق وأفغانستان إلى جانب 8,000 متعهد أمني حسب برنامج جامعة براون “كلفة الحرب”، وعانت القوات الأميركية آثارا متتالية بما فيها زيادة معدلات الإنتحار بين المحاربين القدماء بشكل زاد عن معدلات الإنتحار بين السكان بشكل عام.

إلا أن الكم الأكبر من الذين قتلوا في الحروب كانوا من السكان المحليين، وأكثر من 177,000 من المدنيين من الحلفاء في أفغانستان والعراق وسوريا، حسب برنامج “كلفة الحرب” إلى جانب عدد كبير من المقاتلين المعارضين وعدد متنازع عليه من المدنيين. وقالت ستيفان سافيل، معدة التقرير ومنسقة برنامج كلفة الحرب “هناك تكاليف مدوية، الثمن الإنساني للحرب، الناس الذين لا يعرف عنهم الناس في معظم أجزاء الولايات المتحدة الكثير عنهم أو يفكرون بهم”. وأضافت “نتحدث اليوم عن أن الحرب قد انتهت وأن الولايات المتحدة غادرت أفغانستان، ولكن الطريقة الأهم هي أن هذه الحروب مستمرة، ولا يزال الناس في محاور الحرب يعانون من التداعيات”.

وأكدت الصحيفة أن إرث الحرب التي قادتها أميركا ضد الإرهاب، رافقتها عواقب كارثية في الشرق الأوسط ووسط آسيا وشمال أفريقيا، وهي ثغرة تقول سافيل إن البحث حاول معالجتها مع أن البيانات غير مكتملة، لكنها حاولت التصدي لها من خلال تقديم تقدير تقريبي للتداعيات. وأشارت إلى إن “محاولة توليد هذا النوع من التقدير يسمح لنا البدء بالتعامل مع حجم المشكلة الحقيقي”. كما أن إعداد تقديرات للضحايا المدنيين فقط في هذه الحروب، مهمة محفوفة بالمخاطر السياسية. فالإحصاء الذي تقدمه واشنطن وحلفائها عادة ما يكون أقل من التقديرات المحلية. ففي العراق تتراوح حصيلة الموت من القتال ما بين 151,000 إلى 300,000 إلى 600,000 شخص حسب التقرير الجديد.

ووجدت “واشنطن بوست”، من بين عدة مؤسسات إعلامية، تبايناً وتقديراً أقل في التوثيق الرسمي للوفيات بسبب القصف المدفعي والغارات الجوية لقوات التحالف بقيادة أميركا والتي استهدفت مقاتلي “تنظيم الدولة الإسلامية” في كل من العراق وسوريا. وكشف تحقيق لصحيفة “واشنطن بوست” في أفغانستان عن “الدية” التي دفعت للعائلات أن “القوات الأميركية تعامل بطريقة غير متساوية وغامضة مع الوفيات بين المدنيين في العمليات العسكرية”. ومنذ عام 2010 يقوم فريق مكون من 50 باحثاً وخبيراً قانونياً وعاملين في مجال حقوق الإنسان وأطباء، يشاركون في برنامج كلفة الحرب بمتابعة وتحليل الأرقام. وبحسب آخر تقدير لهم فإن 906,000 من بينهم 387,000 مدنياً ماتوا بشكل مباشر في مرحلة ما بعد 11 أيلول، وتم تشريد أو نزوح 38 مليوناً، وأنفقت الحكومة الفدرالية 8 تريليون دولار على هذه الحروب حسب البحث. إلا أن سافيل تقول إن أعداداً مضاعفة ماتت نتيجة آثار الحرب، وبخاصة بين الأطفال والنساء والفقراء والسكان المهمشين. وهذا يعني زيادة معدلات الفقر وغياب الأمن الغذائي والتلوث البيئي وصدمات الحرب المستمرة وتدمير البنى التحتية العامة والصحية إلى جانب الممتلكات الخاصة ووسائل الحياة.

وفي السيناريو المثالي، قالت سافيل إن طاقمها قادر على تدعيم الحصيلة من خلال دراسة الوفيات المفرطة، أو استخدام الباحثين الميدانيين لدراسة من يموت ولماذا، إلا أن التوثيق، مثل شهادة الولادة والوفاة غير متوفرة في الدول التي مزقتها الحرب. وبدلاً من ذلك اعتمدت سافيل على أرقام السكرتارية العامة لميثاق جنيف، وهي مبادرة تدعمها الأمم المتحدة لمعالجة العنف المسلح والتنمية، والتي تقدر أنه لكل شخص مات بسبب الحرب مات أربعة أخرى نتيجة لآثارها غير المباشرة. فالحروب التي تجلب معها عادة انهياراً اقتصادياً، والتي تتخلل كل ملامح المجتمع وتمنع الوصول إلى الضروريات مثل المياه والطعام والبنى التحتية الضرورة للحركة والعناية الصحية.

ووجد التقرير أن غالبية الوفيات غير المباشرة للحرب جاءت نتيجة فقر التغذية ومشاكل الحمل والولادة والكثير من الأمراض، بما فيها الأمراض المعدية والأمراض التي لا تنجم عن الأمراض غير المعدية مثل السرطان. كما أن بعض الوفيات ناجم عم الجروح بسبب الدمار الحربي للبنى التحتية، مثل تدمير الإشارات المرورية ومن الصدمات الترددية والعنف غير الشخصي.

وبعد عقدين من الزمان، فإن مدى التهديدات المستمرة على الحياة الإنسانية بدأ الإعتراف بها والكشف عنها. فقد وجد تحقيق لـ “واشنطن بوست” أن العراقيين مرضوا وماتوا بسبب حرق النفايات التي رماها الجيش الأميركي في مزابل مفتوحة قرب القواعد العسكرية، مع أن الولايات المتحدة لم تقم بأي إجراء لتقييم الأضرار، علاوة على تعويض المحليين. وفي العام الماضي، نجح الجنود السابقون بدفع الحكومة الأميركية إلى الإعتراف بأثر التلوث المسموم عليهم. وتقول سافيل إن تحديد مسؤولية الوفيات، وإن كانت مقصودة، هي خارج نطاق الدراسة. وتضيف “لا تستطيع الفصل بين من تسبب بالموت، لأن هناك الكثير من الأطراف المتحاربة”، إلى جانب الكثير من العوامل المعقدة من الحكم الديكتاتوري إلى التغيرات المناخية و”النقطة هنا هي القول إن الولايات المتحدة كانت متورطة في هذه الحروب العنيفة، وكان هناك تكثيف بسبب التدخل الأميركي، وعند هذه النقطة فالقضية هي: كيف نتعامل مع الشعور بالمسؤولية؟”.