حذّر خبراء الصحة من التأثيرات الجسدية الخطيرة للتوتر المزمن، مؤكدين أنّ الجسم البشري لم يُصمم للبقاء في حالة “تأهب قصوى” لفترات طويلة، وهو ما قد يؤدي إلى مشكلات صحية تمتد من ضعف المناعة إلى زيادة خطر الإصابة بالاكتئاب وأمراض الدماغ.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة ذا غارديان، فإنّ التوتر اليومي – سواء بسبب ضغوط العمل أو المشاكل العائلية أو حتى الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي – يدفع الجسم إلى تفعيل ما يُعرف باستجابة “القتال أو الهروب”، وهي آلية بيولوجية قديمة صُممت لمواجهة الأخطار المباشرة.
وأوضحت البروفيسورة كافيتا فيدارا، المتخصصة في طب السلوك والتوتر بجامعة كارديف، أنّ أولى استجابات الجسم للتوتر تتمثل بارتفاع معدل ضربات القلب وضغط الدم والتنفس نتيجة إفراز الأدرينالين، يتبعها ارتفاع هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر.
ورغم أنّ هذه الاستجابة مفيدة على المدى القصير، فإنّ استمرارها لفترات طويلة يستهلك موارد الجسم ويؤثر سلباً على وظائف أساسية مثل الهضم، وإصلاح الخلايا، والجهاز المناعي.
وأضافت أنّ الدراسات أظهرت ارتباط التوتر المزمن بضعف المناعة، وزيادة خطر العدوى، وتراجع فعالية اللقاحات، إضافة إلى ارتفاع احتمالات الإصابة بالسمنة والاكتئاب وحتى الأمراض العصبية التنكسية مثل مرض الألزهايمر.
من جهتها، أشارت الدكتورة جو دانييلز إلى أنّ التوتر قد يدخل الجسم في “حلقة مفرغة”، حيث تؤدي الأعراض الجسدية مثل تسارع نبضات القلب أو ضيق التنفس إلى زيادة القلق، ما يفاقم التوتر بشكل أكبر.
وأضافت أنّ الأشخاص الذين يعانون من التوتر يصبحون أكثر حساسية تجاه الإشارات الجسدية الطبيعية، ويميلون إلى تفسيرها كعلامات خطر، وهو ما قد يؤثر أيضاً على قدرتهم على اتخاذ القرارات بشكل سليم.
ويرى الخبراء أنّ تأثير التوتر يختلف من شخص لآخر، تبعاً للتجارب الحياتية والقدرة على التكيف والدعم الاجتماعي، إلا أنّ التوتر المستمر لفترات طويلة يبقى عاملاً خطيراً على الصحة الجسدية والنفسية.
أما بشأن طرق التخفيف من التوتر، فيؤكد المختصون أنّ تقنيات التنفس البطيء والعميق تعدّ من أكثر الوسائل فعالية، لأنها ترسل إشارات للدماغ بأنّ الجسم في حالة أمان، ما يساعد على تهدئة الاستجابة العصبية.
كما أشار التقرير إلى أهمية ممارسة الرياضة والعلاج السلوكي المعرفي (CBT)، إضافة إلى تقنيات التأمل واليقظة الذهنية، خاصة في حالات التوتر المزمن أو المتكرر.
ويشدد الخبراء على أنّ الحل لا يكمن فقط في التعامل مع الأعراض، بل أيضاً في معالجة مصادر التوتر نفسها، سواء عبر تحسين نمط الحياة، أو تقليل التعرض للضغوط الرقمية، أو طلب المساعدة النفسية عند الحاجة.
وختم التقرير بالتأكيد على أنّ التوتر جزء طبيعي من الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى حالة دائمة تستنزف الجسم والعقل معاً.














