ماكرون عائد إلى لبنان.. من بوابة الجنوب!

| جورج علم |

يعود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان من بوابة الجنوب. عاد في السابق من بوابة المرفأ في السادس من آب 2020، إستقبلته الجميّزة كمنقذ. كان الدخان لا يزال ينفث سمومه في الفضاء، يُشحبر الضمائر، قبل الأمكنة، وكانت الأشلاء لا تزال مبعثرة هنا، وهناك، وهنالك، والأنين المستغيث يتصاعد من تحت الركام، يومها أفردت له الـ”سي إن إن” الأميركيّة بعضاً من وقتها للتحدث عن “الرئيس المبادر”.

دخل إلى قلب اللبنانييّن مرّة ثانية، عندما زار بيروت في الأول من أيلول من ذلك العام، وجمع حوله في قصر الصنوبر “أمراء التفليسة”، وطرح أمامهم مبادرة، وحظيت يومها بطأطأة الرؤوس. وكان عهد ووعد، لكن لا المبادر تجرّأ، ولا الرؤوس تجاوبت، وسال الحبر الأسود على صفحات الصحف، يرثي لبنان الريادة والفرادة.

ويعود الرئيس ماكرون ليهتمّ شخصيّاً بالملف اللبناني. يستقبل رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وقائد الجيش العماد جوزيف عون، ويتصل برئيس المجلس النيابي نبيه برّي. ويحدّثني دبلوماسي صديق ممازحاً: “كان إلى الطاولة أيضاً بطرسان… والحقيقة أن السيّد المسيح لم يتمكن من أن يتحمّل بطرس واحد بعد أن نكره ثلاث مرّات قبل صياح الديك، فكيف للمنقذ الفرنسي أن يتحمّل بطرسين؟!”.

– ماذا عن العودة؟

• يؤكد محدّثي بأن الزمن ليس زمن حلول، لكن فرنسا لن تترك لبنان لاعتبارات فرنسيّة. لن تجد لها “مرقد عنزة” في هذا الشرق الأوسط، لا في مصر، ولا في تركيا، ولا في سوريا، أو العراق، أو الخليج… إلاّ في لبنان.
• بادر الرئيس ماكرون، وزار بيروت مرتين بعد إنفجار المرفأ في الرابع من آب 2020. طرح مبادرة إنقاذيّة، ووضع الملف بعهدة وزيرخارجيته جان إيف لودريان، ثم بعهدة كاترين كولونا عندما تسلّمت حقيبة الوزارة، قبل أن ينتقل إلى ستيفان سيجورنيه، الذي كان مستشاره السياسي، ورئيس مجموعة حزبه “النهضة” في البرلمان الأوروبي. وإستحدث خليّة دبلوماسيّة مؤلّفة من مستشاره إيمانويل بون، ومن مستشاره لشؤون الشرق الأوسط، والعالم العربي، باتريك دوريل، ومدير المخابرات الخارجيّة (قبل أن يستقيل مؤخراً) السفير السابق لدى لبنان برنارد إيميه.
إن فريقاً على هذا المستوى من الخبرات والكفاءات، لا يمكن أن يبني على رمال، بل يؤسس، ويهندس، ويأخذ بعين الإعتبار كل التحديات، والصعوبات.
• يعرف الرئيس ماكرون بأن 2024 ليست سنة الحلول في الشرق الأوسط، ولا حتى في أوكرانيا. إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن دخلت “ماراتون” الإنتخابات. فرضت واشنطن “فك إشتباك” بين إيران و”إسرائيل”. منحت بنيامين نتنياهو 26.4 مليار دولار، كي يستمر في تنفيذ مخطّطه على طول الجبهات المفتوحة من أبواب غزّة، إلى باب المندب، مروراً بلبنان، وسوريا، والملحقات… أعفته من هموم الدولة الفلسطينيّة، ومتطلّباتها، عندما إستخدمت مؤخراً حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن، وأكدت له بعيد “طوفان المسيّرات الإيرانيّة”، حرصها الشديد على “أمن إسرائيل، ودعمها، وتوفير الحماية لها”.

لكن “المقبلات” على الطاولة اللبنانية في قصر الأليزيه، لم تكن أميركيّة، بل فرنسيّة بإمتياز. هناك أصناف أربعة كانت مشوّقة:

1 ـ هناك ورقة فرنسيّة حول “اليوم التالي” في الجنوب، حملها وزير الخارجية ستيفان سيجورنيه إلى بيروت في شباط الماضي، وأكدّ على جديّتها، وطالب بدرسها والردّ عليها.
2 ـ وصلت ورقته إلى بيروت، بعد مرورها في “دهاليز” تل أبيب، وبعلم وتنسيق مع الولايات المتحدة. ويدور أخذ ورد مع آموس هوكشتاين، مهندس الحدود البحريّة، والبريّة التي لم تكتمل مواصفاتها بعد.
3 ـ إن “دينامو” الورقة، “إسرائيلي”. ومن يحركها هو وزير الحرب يؤاف غالانت. يريد ضمانات أمنيّة موثوقة على طول “الخط الأزرق” لإعادة أكثر من 100 ألف مستوطن نازح إلى منازلهم القريبة من الحدود مع لبنان. حدّد مساران: الأول دبلوماسي، كأن تنجح فرنسا والولايات المتحدة في توفير هذه الضمانات من خلال شبكة واسعة من الإتصالات مع سائر الأطراف المعنيّة. أو اللجوء إلى فرض أمر واقع عن طريق توسيع دائرة الحرب، بحيث لا تبقى غزّة وحدها “شهيدة” التدمير، بل يؤدي لبنان أيضا “قسطه للعلى” في هذا المجال!
4 ـ قد لا يكون الـ2024 عام الحلول في المنطقة، وقبل الإنتخابات الرئاسيّة الأميركيّة. لكن لبنان لا يستطيع أن ينتظر. لا يستطيع أن يتحمل المزيد من النزف. الكيان الغاصب يرفض الإنتظار. المواقف المعلنة من بنيامين نتنياهو، وأعضاء حكومته واضحة. قد يتكبّد خسائر فادحة، في حال أقدم، وهاجم، لكن وراءه الولايات المتحدة، و26.4 مليار دولار طازجة، ونهر دافق بشتى أنواع الدعم… أما في لبنان…فمنابر، وحناجر، وخناجر… والعوض بسلامتكم!

وبما أن الوقائع، تبرّر الدوافع، فإن الرئيس الفرنسي قرّر العودة إلى لبنان من بوابة الجنوب، سالكا خريطة طريق رسمت معالمها ورقة سيجورنيه، ويصار إلى إعتماد “ورشة” تنفيذيّة، من واشنطن إلى تل ابيب، ومن الأمم المتحدة إلى قوات “اليونيفيل”، ومن باريس إلى بيروت.. فاليرزة.. والقائد.. ودور الجيش..
… وعسى أن تهب الرياح وفق ما تشتهي أشرعة المركب اللبناني المتهالك!

* الآراء الواردة في المقالات تعبّر عن رأي كاتبها ولا يتحمّل موقع “الجريدة” أي مسؤولية عن مضمونها

error code: 520