تصوير عباس سلمان

هاجس الأوروبيين.. أمن “اليونيفيل” أولاً

جريدة الأخبار

| هيام القصيفي |

بقدر ما يهتم الأوروبيون بتحييد لبنان عن تمدّد حرب غزة إليه، فإنهم ينشغلون بحماية القوات الدولية في الجنوب التي يشارك فيها عدد من الدول الأوروبية. لذا تكتسب زيارة وزير الدفاع الفرنسي للاراضي المحتلة أهمية مزدوجة.

منذ بداية حرب غزة، يأخذ وضع القوات الدولية العاملة في الجنوب حيّزاً من الاهتمام الغربي والتغطية الإعلامية الغربية، تحسباً لتطورات قد تطاول أمنها ووجودها. وتخضع أي حركة لدوريات هذه القوات أو نشاط ميداني واتصالات تجريها قيادتها أو الدول المشاركة فيها للمعاينة، ربطاً بكل الاحتمالات المطروحة في ظل التهديدات الإسرائيلية وردود حزب الله، في مناطق عمل اليونيفيل كما حددتها القرارات الدولية. ومع الحركة الناشطة ديبلوماسياً تجاه لبنان، تقدم موضوع القوات الدولية في نشاط الدول الأوروبية، ليس لناحية تطبيق القرار 1701، بل لجهة القلق على سلامة الجنود الدوليين. وتضع فرنسا التي تقود تحركاً لافتاً هذا الأمر في أولوياتها. في الأيام الأخيرة، بدا أن النقاش حول القرار 1701 انتهى. ومنذ أن ربط لبنان رسمياً، عبر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وضع الجنوب بانتهاء حرب غزة، تغير مسار النقاش عن الوضع اللبناني، وتوقف كل كلام عن تطبيق 1701 أو تفعيله وزيادة عديد الجيش والقوات الدولية وتوسيع مهامها.

هذا التدرج منذ بداية الحرب فتح عيون الدول المشاركة في اليونيفيل على وضع قواتها العاملة في الجنوب، بعدما ارتفعت وتيرة التهديدات المتبادلة التي يمكن أن تؤدي في لحظة ضائعة الى حرب تخشاها هذه الدول.

في العادة، تخوض واشنطن مساعي المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، كما حصل في مراحل الحروب السابقة، وصولا الى القرار 1701، وما جرى من جولات مكوكية أفضت الى الترسيم البحري. اليوم، دخلت واشنطن في شكل خطوات محدودة على خط ثنائي بين البلدين، بما يتعدى العنوان العريض المتعلق بمنع امتداد الحرب الى لبنان. وما ينقله الموفد الأميركي آموس هوكشتين لا يتعلق بمبادرة محددة، هو أكثر من تحرك، لكنه أقل من تفويض رسمي بإجراء عملية سياسية ببنود واضحة، علماً أنه تتمة للنقاش الذي سبق حرب غزة وأعقب الترسيم البحري، وكانت لحزب الله ملاحظات على فتحه حينها.

ورغم أن التحرك الأميركي يطاول في جانب أساسي منه وضع الجنوب، إلا أنه لا يأخذ في الحسبان وجود القوات الدولية فيه من منطلق تأمين حمايتها. هذا هاجس أوروبي محض. منذ 7 تشرين الأول الفائت، ووزراء الدفاع والخارجية الأوروبيون المكلفون نقل رسائل بين لبنان والكيان الإسرائيلي، وليسوا مكلفين بعملية تفاوض مهما كان شكلها، يتفقّدون قوات بلادهم في الجنوب، ساعين الى تطمينهم والعمل على حمايتهم.

من الصعب قراءة القرار 1701 من زاوية تأمين حماية الجنود الدوليين، ولا سيما أن القرار ينص على العكس لجهة تأمين المساعدات للمدنيين، وعملياً تساهم القوات الدولية في عديد من الأعمال الروتينية التي تنص عليها مهامها وتأمين حاجات طبية واجتماعية لسكان المناطق الحدودية. لكن في أيام الحرب، كالتي تلوّح بها إسرائيل، تصبح للدول المشاركة نظرة أخرى تتعلق بمصير جنودها والأفضلية لحياتهم. وهي لا تريد بعد تجارب سابقة كما حصل لفرنسا في إفريقيا، أو للقوات الدولية في كوسوفو، أن تضع جنودها على خط النار في حرب واسعة لا يمكن توقع اتجاهاتها. من هنا، يحرص وزراء الدفاع والخارجية الأوروبيون على إبداء اهتمام أساسي بهذا الشق خلال جولاتهم الإقليمية، في محاولة لاستكشاف طبيعة المرحلة المقبلة كي يبنى عليها سبل تأمين حماية اليونيفيل.

ولم تشذّ جولة وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكورنو على المنطقة منذ بداية حرب غزة، عن ذلك، إذ تأخذ لبنانياً طابعاً مختلفاً. ففرنسا التي لا حضور لها على مستوى قرار الحرب، ولا تأثير مباشراً لها في مساعي التهدئة والتفاوض الإقليمي إلا بالقدر الذي تسمح به واشنطن، تسعى في هذه المرحلة الى الإفادة من الهامش الذي يعطى لها كي تلعب دوراً حيوياً في ملف لها صلة به لبنانياً، لجهة وجود قواتها في لبنان من ضمن اليونيفيل. فقد زار الوزير الفرنسي الاراضي المحتلة مرتين، وقبلها بيروت، وكان في زيارته الأخيرة صريحاً حين حذّر قوات بلاده من أيام صعبة قد تواجهها.

ثمّة اعتراف بتعذّر تطبيق كامل ما ينص عليه القرار الدولي لاعتبارات مختلفة. لكن ما تريده فرنسا ومعها دول أوروبية أخرى، بعدما أقفل النقاش حول تفعيل القرار الدولي، أن تحافظ قواتها على وجودها وأمنها، قبل حرية حركتها وتعديل مهامها ولو اقتضى ذلك بعض التدابير التي من خلالها يتم تأمين حماية الجنود الدوليين. وفرنسا، كما غيرها تعرف تماماً أن لا قدرة للبنان، ولو حصلت على تطمينات من حكومة لبنان والجيش، على تأمين حماية اليونيفيل بالحدّ الأدنى، لكنها مع ذلك تسعى الى جسّ النبض حيال المستقبل بعدما ارتفعت إشارات الخطر. وهذا ما تتشارك به مع دول أوروبية لديها المخاوف نفسها على جنودها. وفي انتظار انكشاف الرؤية الإقليمية ومراحل غزة إسرائيلياً، لا يمكن التقليل من أهمية هذه المخاوف، لأنها في جانب أساسي تعني مخاوف جدية من حجم التهديدات باندلاع حرب في لبنان.