“رقص” على حبال “ممسوكة” في كيان مهزوز!

/ سوسن صفا /

يبدأ النهار بإيقاع بطيء، ورتابة مزعجة.

بالأمس، كان الصخب في كل مكان، وكانت الحياة تضج في أروقة الأيام.

اليوم، يتسلل ملل قاتم إلى الداخل، يسري في عروق نهار طويل منتظر.

في الخارج جنون في كل مكان! “لعبة عبثية”، وانهيار يقودنا جميعاً إلى الارتطام، وأحداث تتسارع لتضيف إلى التحليلات جولة اشتباك جديدة…

في بلادنا “كلٌّ يُحلل على ليلاه”! يضع أمنياته وانفعالاته، مع إضافة بعض “الحب” أو “الكراهية”، بحسب ما تقتضي الحاجة!

اتفاقات وافتراقات، وبعض التقاطعات، في الوقت الذي تُصنع فيه السياسة في مكان آخر…

قالت لي ابنتي ذات صباح “لبنان لن يكون يوماً بلداً طبيعياً، وعليه، لن نحظى بحياة وطنية حقيقية، ولن نكون يوماً شعباً واحداً، أو حتى مواطنين طبيعيين، فنحن لم نولد في بقعة هادئة”.

شوهتنا الحرب، وأعمانا الحقد، وقتل فينا إمكانية أي اتفاق ممكن.

إيقاعنا سريع، وكأننا نرقص على حبال ممسوكة، جاهزة للانقطاع عند رجفة اليد.

كياننا مهزوز، وفي طرقاتنا الكثير من المتاريس والحفر، وبينها قناصة محترفون.

نفرح لتقارب الأضداد، ونعمل على توسيع الهوة في بيتنا الداخلي!

نحترف الفراغ، والأسقف العالية. لا مكان للحلول في قاموسنا. لا مكان للسياسة عندنا. أدمنّا الانتظار في لعبة الوقت القاتلة. هرمنا ونحن ننتظر تقارباً واهماً، ومفاوضات لن تنتهي!

جولة سريعة على عناوين الصحف الصادرة صباحاً، كفيلة بتظهير الاختلاف إلى حدّ الانقسام على قراءة وتحليل الحدث، حتى وإن كان حدثاً “دسما”. ثمة من قرأ الاتفاق السعودي ـ الإيراني برعاية صينية من زاوية الغلبة، وثمة من قرأه من زاوية التبسيط، وهناك من بنى أوهاماً من انعكاساته وتداعياته على “تفصيل” يناسبه.

زحمة محللين وفوضى تحليلات، كمن يقطن في سوق شعبي. زحمة تعليقات سطحية لا ترقى إلى مستوى الحدث.

كما في الصحف، كذلك على الشاشات التي باتت تحتلها وجوه كالحة عفا عليها الزمن، أو بالحد الأدنى لم تعد تمتلك عنصر الجذب، وفن الإقناع. وكأن الشاشات تحوّلت إلى مقاهي تجمع المتخاصمين وتطرح الإشكاليات، بعيداً عن العلاجات المطلوبة والقراءات الهادئة والهادفة، فيما المطلوب أن نعي أكثر حقيقة الحرب التي تُخاض في المنطقة، وأن نعيد للمهنة جزءاً ـ ولو صغيراً ـ من معاييرها المفقودة، في ظل وجود الملوّثين والمتلوّثين، بعد الانفجار التكنولوجي الكبير الذي أحدث فوضى لا حدود لها.

من يصحح الأخطاء الكبرى اليوم في زمن بتنا نتلذّذ بالحرية فيه بعد اغتصابها؟ كيف نحمي المهنة في زمن التشوّهات الكبرى؟ ألسنا مسؤولين ومعنيين بالعودة إلى الأصول والقواعد لتقديم ما يحتاج إليه المواطن.. وليس ما يريده؟

الكل مسؤول… والصحافة مسؤولة بدرجة مضاعفة.

إعلامنا يعكس واقعنا، وواقع الحال يقول بأننا شعوب ننسى، لا نحفظ دماء من سقطوا مؤمنين بأن البلد يمكن أن يعيش بطريقة مختلِفة لا بطرق مختلَقة ومصطنعة…