| فيصل طالب |

فجرٌ آخر ينشقُّ عن أفقٍ جديد يبتسم في صمتٍ واعد، ويُسدل ستاراً على صفحاتٍ مضت، ليكشف عن صفحات أخرى نقية في دفتر الأيام، تنتظر أن تُخطّ سطورها بمداد أحلامنا لا أوجاعنا، وأن تُرسم لوحاتها بألوان الشوق إلى غدٍ أرحب، بعيداً من الأوهام، وقريباً من النوافذ المفتوحة على الاحتمالات والإمكانيات التي تسمح بإعادة ترتيب ما اختلّ فينا، واستئناف مسيرتنا وفاقاً لما نشتهي، وليس متابعة لما درجنا عليه.
عام جديد عساه يكون أهدأ على قلوبنا، وأخفّ على أرواحنا، وأقرب إلى توقّعاتنا، وألطف لأقدارنا، وآمن لقلوبنا، وفرصةً أخرى لنحبّ أعمق، ونعطي أكثر، ونؤمن بأنّ الله لا يخيّب رجاءً صادقاً ولو كنّا في عمق الانكسارات؛ فمن الشقوق ينفذ النور، وتتسرّب نسائم الخلاص.
عام جديد نستعيد فيه بريق الانبهار والدهشة في العيون، ونغسل وجوهنا بماء الرجاء ليزهر في النفوس أماناً لا يعكّر صفوه ضجيج العالم، نلملم فيه شتات أرواحنا، ونعيد صياغة المعاني التي اضطربت زمناً طويلاً، وتشوّش مآلها في ضباب البحث عن ذواتنا الضائعة في أثقال الماضي.
عام جديد لا يعترف بالإحجام بل بالإقدام، فيمضي لفتح أقفال المستحيل، وإغلاق منافذ الوجع، بقوّة الإرادة وصفاء القلوب التي تشبه بياض الثلج ونقاء المطر، لتظل أرواحنا تتلمّس الجمال في دحرجة قطرات الندى فوق الورود، وفي ضوء القمر الذي ينسلّ بين الغيوم، ويرقص على صفحة الماء كطيف هارب يخشى أن يدركه الصباح.
عام جديد يشرع أبوابه للآتي الأفضل، رغم العواصف التي ما تزال تحدق بنا، من غير أن نواري جراح الأمس خلف ستار النسيان، بل نحمل ندباتها أمثولات للعبر، لأنّها شهادات بقاء، ودروس جديدة في كيفية الانطلاق من جديد، كالطير الذي يصفّق بجناحيه بعد هدوء العاصفة ليستأنف التحليق.
ها نحن نتنفّس هواء العام الجديد بصدور لم تفقد القدرة على العبور من حال إلى حال، بإرادة التصالح مع الحياة، والإيمان بأنّ الشمس تشرق كل صباح، لتغسل بضوئها ما علق بالروح من عتمة، وتمنحنا فرصة أخرى لكتابة فصل جديد من الآمل بحياة نستحقها.
أيّها العام الجديد..
ها نحن نعبر عتبتك حاملين معنا بذور أحلام نزرعها في تربة الإصرار، ونسقيها بماء المثابرة، ونمضي في أيامك القادمة، فنعيد اكتشاف أنفسنا، ونجدّد عهدنا مع الحياة بأن نشرع النوافذ للضوء كلّما تجهّم الأفق، والمنافذ للهواء متى اختنقت الصدور، والقلوب للرجاء حين تضيق السبل.




