استغلّا أدوية أطفال ليحققا أرباحًا
بحسب القرار، فإن الممرّضة في مستشفى رفيق الحريري أليسار صبحي حمود، كانت تعمل بدوام مسائيّ في عيادة الطبيب حسن خليفة، وبالتواطؤ بينهما، هرّبت من مكان عملها في المستشفى أدوية سرطانية للأطفال وأخرى غير محضرة صيدلانيًّا، ونقلتها إلى مكان عملها الثاني في عيادة خليفة الخاصة.
وبناء على إفادات زملاء لحمود، فإنها نقلت أدوية “Novabon” و “Neutromax” التي تعود لأطفال مرضى في القسم النهاري، إلى عيادة د. حسن خليفة. أحد هذه الأدوية كان يعود للطفل محمد ع. ولم يسلم إلى قسم الصيدلة في المستشفى بل نقل إلى عيادة الدكتور الخاصة بواسطة الحمّال ابراهيم ر.، كما هرّبت حمود نحو 50 حقنة Huber needles من أهالي المرضى إلى عيادة خليفة، وحاولت الاستحصال على دواء “Carboplatine” العائد لمريضة متوفاة لإعطائه إلى آخر، لكن ممرّضًا رفض التواطؤ معها. وتلاعبت حمود بكمّيات الحقن، فأعطت نصف حجمها لأطفال ولم تعد الكميات المتبقية. وهي بالتالي “سرقت” كلّ كمية زائدة عن المرضى المعالجين في المستشفى والذين يحصلون على أدوية مجانية من وزارة الصحة.
وبالإضافة إلى تقاضيه مبالغ مالية من المرضى، كان د. خليفة كما ورد في قرار الديوان، المستفيد الأساسيّ من الأدوية المهرّبة. إذ استعملها في معالجة المرضى التابعين له مباشرة وفي عيادته، مقابل أجر لدواء يقدّم مجانًا في الأساس من قبل وزارة الصحة.
هذه التهم وجّهت إلى الممرّضة والطبيب في قرار سابق صدر عن ديوان المحاسبة منذ العام 2019، وحمل الرقم 37، عالج حينها وضع أحد أطراف “الفضيحة”، وهي الممرّضة في المستشفى زينة كرم، من زاوية انتفاء المخالفة الشخصية في مرحلة إجرائية معيّنة من دون أن يشكّل إسقاطًا للملاحقة بحق أيّ طرف آخر أو فعل آخر.
إذ وثقت الغرفة الثانية بالديوان، في متابعتها بمذاكرة القضية، تهريب أدوية سرطانية و “راسورات” منتهية الصلاحية من المستشفى. وذلك بعد إفادات ومستندات، حصل عليها الديوان من ضمن صلاحياته بالتحقيق في كلّ شبهة اختلاس وهدر للأموال العمومية وفق أحكام قانون تنظيم ديوان المحاسبة.
ملف يوقظ قضايا نائمة
أكثر من خمس سنوات استغرقتها عملية توثيق الارتكابات منذ نيسان 2019 حتى كانون الأول 2025. وهو ما يطرح السؤال حول جدوى العدالة المتأخرة في استعادة الحقوق إلّا أن أهميّة القرار تكمن فعليًا في إعادته إلى الواجهة، واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل مستشفى رفيق الحريري، والتي فتحت على تحقيقات إدارية وقضائية منذ العام 2014، وتتشابك في بعض تفاصيلها مع الفضيحة المدوّية التي وقعت في المستشفى منذ العام 2009، وهي قضية رئيسة قسم الصيدلة في المستشفى منى بعلبكي.
في متن قرار ديوان المحاسبة الذي صدر، تبيّن وفقًا لإفادة الصيدلي سامر السماك المكلّف برئاسة قسم الصيدلة في المستشفى، بأنه خلال العام 2014 تمّت إعادة أدوية إلى وزارة الصحة بقيمة 99 مليون ليرة لبنانية، وخلال العام 2015 بما قيمته خمسة ملايين ليرة ونصف. ما يدلّ، وفقًا لما ورد في قرار الديوان “على أنه في السابق كانت هناك كميات كبيرة لا تعاد إلى أصحابها، وبالتالي تتمّ سرقتها وقد تعذر تحديد تلك الكميات، بسبب عدم إدخال أو إعادة الأدوية الزائدة عن المرضى المعالجين في المستشفى إلى قسم الصيدلة أو إلى مستودع الأدوية في الكرنتينا”.
هذه الإفادة تقاطعت مع تفاصيل تحقيق داخليّ جرى في المستشفى منذ العام 2013، وأورده الديوان في متن قراره، أظهر بنتيجة جردة أجرتها الممرّضة المجازة ماريانا خرام لأدوية السرطان في الصيدلية بتاريخ 13/3/2013، بناءً على تكليف من رئيسة دائرة إدارة المواد والمشتريات سعاد مطر، وجود نواقص، منها 16 حقنة Neutromax و 775 حقنة Methotrexate، ما يؤكّد تهريب هذه الأدوية إلى خارج المستشفى.
حمود تذكّر ببعلبكي
من ضمن الدفوع التي قدّمتها حمود مقابل الاتهامات الموجّهة إليها، برز في ردّها على إفادة السماك أنه، أي السماك، “تسلّم عمله في الفترة بين العامين 2014 – 2015 وبالتالي كانت الصيدلية قبله، تتسلّمها منى بعلبكي ولا يمكن تحميل الاختلاف في الجردات لممرّضة في طابق العلاج النهاري في ظلّ عدم ارتكابها أي مخالفات إطلاقًا”.
أخذ الديوان بهذه الإفادة لحمود، ولكنه حصر مقاربته لها بإطار المحاسبة المالية، من دون التطرّق إلى التفاصيل ذات الطابع الجزائي التي تلاحق بها بعلبكي. واعتبر الديوان أن رئيسة قسم الصيدلة معنية بتأمين الأدوية للمستشفى والمرضى، وشرائها وتخزينها وحفظها وفق الأصول، ومتابعة عدم انتهاء صلاحيّتها. وبما أن مسألة اختلاف الجردات تُسأل عنها بعلبكي وفق ما ورد في دفاع حمود، رأى الديوان ضرورة تمكينها من تقديم دفاعها، التزامًا بقواعد الموضوعية والشفافية وحق الوجاهية والدفاع وأمهلها ثلاثين يومًا لتقديم الدفوعات.
أين أصبح ملف منى بعلبكي الأخطر؟
ومنى بعلبكي هي “البطلة” التي أحاطت بها شبهات صفقة لشراء أدوية سرطانية حصلت عام 2009، وما زالت قيد التحقيق في القضاء الجزائيّ منذ العام 2014. بعد ثمانية أعوام من أخذ وردّ في القضية، صدر قرار عن الهيئة العليا للتأديب في العام 2017 بعزلها من مهامها، ولكنها حينها كانت عمليًا قد غادرت عملها. كما طلبت الهيئة من وزير الصحة إلغاء الإذن لبعلبكي بمزاولة مهنة الصيدلة نهائيًا حمايةً لسلامة المرضى لتتحوّل من بعدها إلى متوارية عن حضور الجلسات القضائية لاستكمال التحقيق في قضيّتها.
هذا في وقت أظهر بيان هيئة التأديب منذ العام 2017 أن عددًا من الموظفين والأطبّاء ساعدوا رئيسة قسم الصيدلة في بعض ارتكاباتها، ولم توقَّع عليهم العقوبة اللازمة بعد، وما زالوا في وظائفهم. لذلك طالبت الهيئة بالتوسّع في التحقيق معهم تمهيدًا لإنزال العقوبات اللازمة. مع إعادة إحالة الجرائم الجزائية إلى النيابة العامة التمييزية للنظر فيها.
ليست حالة فرديّة
انطلاقًا من هنا، وعلى الرغم من أهمّية قرار ديوان المحاسبة في ما يظهره من إصرار على استعادة الأموال المنهوبة، تكمن قيمته الجوهرية، في الدافع الذي يشكّله لإعادة إحياء ملف فضائح أدوية السرطان وغيرها في مستشفى رفيق الحريري، وما وثق فيه من ارتكابات متنوّعة، لم تكن حالة فردية، بل من ضمن منظومة “فساد ممنهج” امتدّت تداعياته لسنوات، وعلى عدّة مستويات.
وعليه، لا تعود التفاصيل الدقيقة لعملية نقل الأدوية المريبة أو بيعها مهمّة، بقدر أهمية كشف وتفكيك الشبكة التي نسّقت لإساءة استغلال الموارد الطبية المجانية، بما خلّف تداعيات على حق المرضى في العلاج داخل المستشفى.
إذا كانت هذه المنظومة لا تزال ماضية في تقاذف المسؤوليات، وفقًا لما بيّنه قرار الديوان الإداريّ، فإنها استفادت من دون شك من “تباطؤ” قضائيّ، حتى لا نقول “تخاذلًا” جعلها مرتاحة للواقع. إذ إن تتبّع الإجراءات القانونية التي طلبتها الهيئة العليا للتأديب، وهي أعلى مرجع تأديبيّ في الإدارة، وأحكامها لا تصدر إلّا بعد تحقيقات ومداولات معمّقة، أظهر أنها لم تصل إلى نتيجة، أقلّه من خلال توقيف شخص من الذين لم يتلاعبوا فقط بالمال العام، وإنما بصحّة مرضى هم بأمسّ الحاجة لعلاجهم ولأن يكون هذا العلاج موثوقًا. مع أن الإعلام تحدّث حينها عن شبكة أوسع من المتواطئين في القضية، منهم نافذون، وتجّار أدوية، وأطراف أخرى. وهذا ربّما ما يفسّر تجاهل المسار التأديبيّ والجزائي لسنوات، على الرغم من تداعياته التي تجعل من العدالة المتأخرة عالة، إذا لم يُكشف المسؤولون ويواجهوا عواقب أفعالهم.
حمود تحاول الانقلاب
وبالعودة إلى قرار الديوان، فقد برز في متنه محاولة حمود التنصّل من كلّ ما نسب إليها من أفعال، وتأكيدها أنها لم ترتكب أي مخالفة أو تقصير، وأنها أدّت عملها بأمانة ووفق الأصول والضمير المهني والإنساني.
ولكن الغرفة الثانية التي يبدو أنها ذاكرت القضية بشكل دقيق ومفصّل، كشفت محاولة حمود للتنصّل من اعتراف خطيّ واضح لها ضمن مستندات الملف، أُدلي به بتاريخ 2/2/2012، وقد اعترفت فيه صراحةً باستلام دواء Neutromax العائد للطفل محمد ع. وعدم تسليمه للصيدلية، ووضعه في برّاد القسم ثمّ نقله إلى عيادة الدكتور حسن خليفة الخاصة، كما اعترفت باستلام أدوية سرطان عائدة للأطفال من صيدلية المستشفى ونقلها خارج المستشفى لتسليمها للدكتور خليفة، وبوضع أدوية سرطان في كيس طعام للتمويه وإرسالها عبر الحمّال، إضافة إلى إدخال أوامر طبّية باسم الدكتور خليفة باستخدام كلمة السرّ الخاصة بها، واستلام مستلزمات طبية مثل Huber Needles وتسليمها له لاستعمالها في عيادته الخاصة.
واعتبر الديوان هذه الاعترافات قرينة قوية ضدها، باعتبار أن الاعتراف “سيد الأدلّة”، ولا يمكن التراجع عنه ما لم يثبت الإكراه، وهو ما لم يحصل. وبناءً على ما تقدّم قرّر الديوان تغريم حمود بالحدّ الأقصى المنصوص عليه في المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، إضافة إلى غرامة تعادل راتبها غير الصافي عن 12 شهرًا، وطلب إصدار سند تحصيل بحقها بقيمة 744,087,500 ليرة لبنانية.
وشريكها يتجاهل القضية تمامًا
في المقابل، تجاهل شريكها الطبيب الاتهامات الموجّهة إليه، ولم يتقدّم حتى بدفوعه بشأنها، رغم إبلاغه استثنائيًا لتعذر معرفة محل إقامته. ولذلك قرّر الديوان تأكيد المخالفات المنسوبة إليه، وتغريمه بالحد الأقصى المنصوص عليه في المادتين 60 و 61 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة، بما يعادل راتبه أو أجره عن 12 شهرًا بتاريخ ارتكاب المخالفة، وطلب إصدار سند تحصيل بحقه بقيمة 744,087,500 ليرة لبنانية.
وأشار القرار إلى أن قيمة سندي التحصيل تعود إلى أدوية ومستلزمات تشمل 16 حقنة Neutromax، و 775 حقنة Huber Needles، و 50 إبرة إضافية، إضافة إلى دواء Methotrexate.
ارتكابات أخرى ودفوعات مرتقبة
اللافت في قرار ديوان المحاسبة الأخير أيضًا، كان في ما أورده من مراسلات بتاريخي 26/1/2012 و 27/6/2012 أظهرت استقدام كميات من المستلزمات الطبية وتخزينها، من دون اكتراث للمراسلات التي تؤكد الفائض منها في المستشفى، أو لتواريخ صلاحيتها. واعتبر الديوان أن الممرّضة زينة كرم التي كان القرار 37 الصادر منذ العام 2019 قد أوقف ملاحقتها، مسؤولة عن هذه الارتكابات بالتكافل والتضامن مع كلّ من رئيسة إدارة المواد سعاد مطر، وريموندا مساعد رئيسة قسم المشتريات، وطلب منهن تقديم دفاعاتهن في مهلة ثلاثين يومًا.
ورفض القرار اعتماد ما يُعرف بالممارسة الطبية في بعض المستشفيات القاضية بإعادة تعقيم اللوازم القريبة أو المنتهية الصلاحية، لوجود نصّ صريح في دفتر الشروط يُلزم المورد باستبدال المواد غير المستعملة قبل ثلاثة أشهر من انتهاء صلاحيتها، ولأن التعقيم يحمّل المستشفى كلفة مالية إضافية وقد ينطوي على مخاطر صحية، فيما الاستبدال مجاني.
ولذلك، اعتبر الديوان أن ما أقدمت عليه كلّ من كرم ومطر ومساعد، يقع تحت طائلة الفقرتين 8 و 10 من المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة معطوفة على المادة 61 من القانون ذاته، والتي تعاقب بالغرامة المشدّدة كلّ من ارتكب خطأ أو تقصيرًا أو إهمالًا من شأنه إلحاق ضرر ماديّ بالأموال العمومية”.
هل يبقى قرارًا ماليًا إداريًا أم عبرة لمن يعتبر؟
في النتيجة، فإن العبرة من قرار ديوان المحاسبة، كانت بتأكيده أن العدالة لا تتحقق إلّا عندما تترافق المحاسبة المالية مع المساءلة الأخلاقية والقانونية، وطبعًا المحاسبة القانونية. وهي كلّها عناصر أساسيّة لاستعادة الثقة بالمؤسّسات العامة وحماية المواطنين. ومن دون تكامل هذه العوامل قد يبقى قرار ديوان المحاسبة إداريًا ماليًا، ما لم تفصّل الجذور التاريخية للفضائح المرتكبة، وصولًا إلى العمل على تحديد المسؤوليات التي تتطلّب محاسبة شاملة، ليكون كلّ متورّط عبرة لمن يعتبر.