| جورج علم |
زار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريش بغداد، للمشاركة في مراسم الإعلان الرسمي عن إنتهاء أعمال ولاية بعثة الأمم المتحدة في العراق “يونامي”.
الزيارة “برتوكوليّة”، لكنها تركت سؤالين:
– من يشغل الفراغ؟ وهل من توافق بين المكوّنات السياسيّة العراقيّة حول البديل؟
– ولماذا يتمّ تحجيم دور الأمم المتحدة في “الشرق الأوسط الجديد؟”، ولصالح مَن مِن القوى الدوليّة الطامحة؟
ويفضي السؤالان إلى ثالث ملحق: متى يزور غوتيريش ـ أو من سيخلفه في الأمانة العامة للأمم المتحدة ـ بيروت للإحتفال في مراسم إنهاء أعمال ولاية “اليونيفيل” في الجنوب؟
القرار 2790 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، في نهاية آب الماضي، وبإجماع جميع أعضائه، واضح، ويقضي بـ”تمديد ولاية قوّة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان ‘اليونيفيل’ للمرّة الأخيرة، حتى 31 كانون الأول 2026. وأن يبدأ خفض قوامها وانسحابها بشكل منظّم وآمن إعتباراً من ذلك التاريخ، وفي غضون سنة واحدة”.
يقولون في لبنان: “بعد بكّير”… “ولا تقول فيول حتى يصبح في المكيول”!
على الأقل، هكذا هو “تشخيص” الدبلوماسيّة اللبنانيّة. لا بل هذا هو حال غالبيّة المسؤولين الذين “يشتغلون” سياسة “عالقطعة”، وطبقاً للمستجد الذي يفرض نفسه كأمر واقع، في حين أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لفرنسا وألمانيا وإيطاليا، الدول الثلاث المشاركة في “اليونيفيل”، وحتى بريطانيا التي تسعى إلى تكريس حضور ميداني تحت عنوان “بناء أبراج المراقبة” على طول الحدود ما بين لبنان وسوريا، ولبنان وفلسطين المحتلة.
بدأت هذه المجموعة الأوروبيّة بحث مواصفات “اليوم التالي” في الجنوب، ولبنان، بعد إنسحاب “اليونيفيل”، مع كلّ من الولايات المتحدة، و”إسرائيل”، وعدد من الدول الكبرى التي تربطها مصالح حيويّة في هذه المنطقة من العالم.
قدّم المستشار الألماني فريدريش ميرتس نموذجاً فاقعاً لخطب ودّ تل أبيب.
إتخذ في آب الماضي قراراً بفرض حظر جزئي على صادرات الأسلحة الألمانيّة إلى “إسرائيل” ردّاً على حملة الإبادة في غزّة. ثم تراجع ورفع هذا الحظر في تشرين الثاني الماضي بعد إتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
قبل أيام قام بزيارة إلى تل أبيب، ومّما قاله “إن دعم ‘إسرائيل’ يمثّل جزءاً أساسيّاً من سياسة ألمانيا”.
ووصف وجوده في كيان الاحتلال بأنه “شرف عظيم”. وقال إن زيارته ترمي إلى “تجديد التأكيد على الوقوف إلى جانب هذا البلد، هو النواة الأساسيّة والثابتة لسياسة جمهوريّة ألمانيا الإتحاديّة. وسيبقى كذلك”.
وأكدّ “ان إسرائيل لديها الحق في الدفاع عن نفسها، لأنها الطريقة الوحيدة لضمان حقّها في الوجود”!
تمثّل مواقف ميرتس نموذجاً للسياسة الأوروبيّة المعتمدة تجاه “إسرائيل”.
إن الهدف منها الحصول على “تأشيرة” للدخول وراء الكواليس المغلقة حيث ترسم خرائط “اليوم التالي” في الجنوب، ولبنان، وسوريا، والعراق، وصولاً إلى اليمن… و”الشرق الأوسط الجديد”.
وما يبنى عليه، أن “اليونيفيل” تشكّل عبئاً على “إسرائيل”، ولم تقم لها وزناً منذ إنتدابها في آذار 1978، ولغاية الآن.
بدورها، وفّرت هذه القوّة أسباباً موجبة للعدائية الإسرائيليّة. إن دورها ـ وبكل صراحة ـ كان أشبه بدور “الكشّافة”، وشكّلت مظلّة معنوية للجيش، ولحضور السلطة اللبنانية في الجنوب، لا أكثر. ولم تتمكّن من تنفيذ أي قرار دولي سجّل في المفكّرة اللبنانيّة، بدءاً بالقرارين 425 و426، وصولاً إلى القرار 1701.
ورغم أنها كانت تنتسب رسميّاً إلى الأمم المتحدة كمرجعيّة، إلاّ أن الدول الكبرى المشاركة في عديدها كانت تعوّل عليها لرعاية مصالحها، سواء في لبنان، أو لدى الكيان المحتل، والدليل أنه على مدى 48 عاماً قضتها في الجنوب، كان الوضع الميداني يتطوّر من سيء إلى أسواء: إحتلال، وإنتهاكات للسيادة، وعجز عن تنفيذ القرارات الأمميّة التي إنتدبت من أجلها، حتى بلغ الحال في الجنوب إلى ما هو عليه الآن.
وكان للسياسة الأميركيّة، على مدى كلّ تلك العقود من السنوات، التأثير المباشر على تهميش دور “اليونيفيل”. وما زاد في الطين بلّة أن الإدارة الحاليّة، وبإيعاز مباشر من الرئيس دونالد ترامب، قرّرت تقنين الدعم المالي للأمم المتحدة، وللمنظمات الدوليّة المتفرّعة عنها، بما في ذلك قوات “اليونيفيل”، حيث بادر الأمين العام غوتيريش إلى المباشرة بتخفيض عديدها.
إن كلّ ما يجري، إنما هو مؤشرات لما ستكون عليه الأوضاع في لبنان، وفي الجنوب تحديداً، خصوصاً إذا ما سمحت الولايات المتحدة و”إسرائيل” أن تحلّ قوات أوروبيّة بديلاً عن “اليونيفيل”!
والمؤشر الآخر الذي يبنى عليه، هو وجود قرار إسرائيلي ـ أميركي ـ أوروبي ـ غربي بعدم تسليح الجيش، والحرص على دور يلعبه وفق سياق محدّد مرسوم له بدّقة، بهدف إستخدام هذه الورقة كحجة وذريعة للقول إن لبنان بحاجة إلى قوات دوليّة على أرضه بعد مغادرة “اليونيفيل”، لضمان تنفيذ ما يرسم لأزمته من حلول، ومخارج.
إن بحث المواصفات الأمنية لـ”اليوم التالي” في الجنوب، وكلّ لبنان، قد بدأ يكتسب جديّة وراء كواليس عواصم دول القرار. لكن الخطير في الموضوع أن أي قوّة، لأي دور، ومن أي جنسيّة، يجب أن تحظى أولاً بموافقة إسرائيليّة للحصول على “تأشيرة” للدخول والمشاركة.
وما يجري حول لبنان، يجري حاليّاً حول غزّة. ألم يشترط بنيامين نتنياهو على أي قوة دوليّة قد تحلّ في غزّة، أن تحظى أولاً بموافقته المباشرة على جنسيتها، وحجمها، ودورها، والأسلحة التي يفترض أن تكون في حوزتها؟!
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة”، إضغط على الرابط