الرئيسيةSliderحسابات لبنان في المواجهة والتسوية بعد الانتخابات الإسرائيلية

حسابات لبنان في المواجهة والتسوية بعد الانتخابات الإسرائيلية

انتهت الانتخابات الإسرائيلية، لكن لبنان لم يخرج من دائرة الانتظار. فبين احتمال تغيّر الحكومة في تل أبيب، واستمرار بنيامين نتنياهو في السلطة، وتداعيات الانتخابات النصفية الأميركية، يبقى السؤال اللبناني الأكثر إلحاحاً: هل تفتح التحولات السياسية نافذة للذهاب نحو انسحاب إسرائيلي وتطبيق القرار 1701، أم أن المرحلة الفاصلة عن اتضاح المشهد الحكومي الإسرائيلي قد تحمل مخاطر تصعيد جديد على الجبهة الجنوبية؟

ولا ينفصل هذا السؤال عن المسار المتحرك بين واشنطن وطهران، حيث تتواصل جهود الوساطة بالتوازي مع التهديدات العسكرية. فأي تفاهم أميركي ـ إيراني قد ينعكس على ساحات المنطقة، ومنها لبنان، فيما قد يؤدي تعثر الاتصالات إلى زيادة الضغوط على أكثر من جبهة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اندلاع مواجهة جديدة.

بالنسبة إلى لبنان، لا تكمن أهمية هذه الاستحقاقات في نتائجها السياسية فحسب، بل في ما يمكن أن تفرضه من وقائع على الأرض، وفي مدى قدرة لبنان على حماية استقراره ومنع تحوّله مجدداً إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات الآخرين.

وقد تفضي الانتخابات الإسرائيلية إلى تغيير في تركيبة الحكومة، وربما إلى خروج نتنياهو من السلطة، لكن ذلك لا يكفي وحده للاستنتاج بأن السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان ستشهد تحولاً جوهرياً.

فالفارق كبير بين تغيير رئيس الحكومة وتغيير المقاربة الأمنية والعسكرية. وقد تكون حكومة جديدة أكثر اهتماماً بمعالجة التداعيات الداخلية للحروب، وترميم صورة “إسرائيل” الخارجية، وتخفيف الضغط عن جيشها، إلا أن هذه الأولويات لا تعني تلقائياً التخلي عن سياسة الضغط على لبنان أو التراجع عن المطالب الإسرائيلية المرتبطة بالجبهة الجنوبية.

وفي حال تشكّلت حكومة جديدة، سواء برئاسة بنيامين نتنياهو أو برئاسة غادي أيزنكوت أو ضمن صيغة ائتلافية مختلفة، فإن الاختبار الفعلي سيكون في موقفها من “اتفاق الإطار” مع لبنان، ومدى استعدادها لاستكمال التفاهمات القائمة، والتعامل مع الملفات العالقة من خلال المسار التفاوضي بدلاً من فرض وقائع ميدانية جديدة.

وتكتسب الفترة الفاصلة عن تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان. ففي هذه المرحلة، قد تتداخل الحسابات الانتخابية مع محاولات تثبيت مواقع سياسية أو عسكرية، ما يترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة.

ومن هنا، تنبع المخاوف من أن يلجأ نتنياهو إلى تصعيد عسكري قبل اتضاح مصير مستقبله السياسي، سواء على الجبهة اللبنانية أو في اتجاه إيران. لكن هذا الاحتمال يبقى سيناريو غير محسوم، ولا يجوز التعامل معه باعتباره قراراً متخذاً سلفاً.

في المقابل، قد تتيح المرحلة نفسها فرصة لتكثيف الاتصالات والوساطات، وتثبيت التفاهمات التي تحول دون انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع. غير أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى خطوات عملية، لا إلى مجرد رسائل سياسية أو رهانات على تبدّل الأشخاص في السلطة.

وبالنسبة إلى لبنان، فإن أي محاولة لفرض شروط جديدة بالقوة، قد يعيد الوضع إلى دائرة التوتر، ويزيد من حالة عدم اليقين التي يعيشها اللبنانيون.

ولا يمكن قراءة مستقبل الجبهة الجنوبية بمعزل عن العلاقة الأميركية ـ الإيرانية. فلبنان، بحكم موقعه في شبكة الصراعات الإقليمية، قد يتأثر بأي تفاهم بين واشنطن وطهران، كما قد يتأثر بأي انهيار في الاتصالات بينهما.

إذا نجحت الوساطات في تحقيق اختراق دبلوماسي، فقد تنشأ ظروف أكثر ملاءمة لخفض التصعيد في المنطقة، بما يتيح للبنان مساحة أوسع للتحرك نحو تثبيت التفاهمات واستكمال المسار التفاوضي. لكن ذلك لا يعني أن أي اتفاق أميركي ـ إيراني سيؤدي تلقائياً إلى تسوية لبنانية، إذ تبقى الملفات الثنائية بين لبنان و”إسرائيل” مرتبطة بشروطها وتفاصيلها ومواقف الأطراف المعنية بها.

أما إذا تعثرت المفاوضات وعادت الخيارات العسكرية إلى الواجهة، فإن لبنان سيجد نفسه أمام مخاطر إضافية. وفي هذه الحالة، قد تتداخل الحسابات الإقليمية مع التطورات الميدانية على الحدود الجنوبية، بما يزيد صعوبة احتواء المواجهة.

وتأتي الانتخابات النصفية الأميركية لتضيف عاملاً آخر إلى المشهد. فنتائجها قد تؤثر في التوازنات الداخلية الأميركية وقدرة إدارة دونالد ترامب على تمرير سياساتها، لكنها لا تعني بالضرورة تبدلاً فورياً في السياسة الخارجية. لذلك، فإن انتظار نتائجها لا يعفي لبنان من ضرورة متابعة ما يصدر عن واشنطن من مواقف وقرارات تتصل مباشرة بأمنه وبالمسار التفاوضي مع إسرائيل.

في ظل هذه المعادلات، لا يستطيع لبنان التحكم في نتائج الانتخابات الإسرائيلية أو الأميركية، ولا في مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران. لكنه يستطيع تحديد كيفية التعامل مع انعكاساتها، من خلال تعزيز موقفه التفاوضي، وتوحيد مقاربته الرسمية للملفات المطروحة، وتكثيف الاتصالات الدبلوماسية الهادفة إلى تثبيت التفاهمات ومنع تجدد المواجهة.

كما أن المطلوب عدم بناء التقديرات على فرضية أن تبدّل الحكومة الإسرائيلية سيؤدي حتماً إلى التهدئة، أو أن استمرار نتنياهو يعني أن الحرب أصبحت حتمية. فالمبالغة في التفاؤل والتشاؤم لا تساعد على قراءة الوقائع، ولا توفر للبنان حماية من المفاجآت.

شريط الأحداث