الرئيسيةSliderخطر بين انتخابين.. ورسائل تحذير إلى لبنان

خطر بين انتخابين.. ورسائل تحذير إلى لبنان

تتزايد الأسئلة حول توقيت المواجهة المقبلة مع إيران، وما إذا كانت الانتخابات الإسرائيلية والأميركية ستشكّل عاملاً مؤثراً في قرار التصعيد، أم أن الحسابات العسكرية والسياسية قد تدفع نحو انفجار جديد قبل موعد الاستحقاقين أو بعدهما. وبين الاحتمالات المفتوحة، يجد لبنان نفسه أمام تحذيرات خارجية متلاحقة من مغبة انخراط “حزب الله” في أي مواجهة مقبلة، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات تتجاوز قدرته على الاحتمال.

ففي الأيام الماضية، تلاحقت الرسائل التحذيرية التي نقلها موفدون خارجيون إلى بيروت، إلى جانب اتصالات عبر قنوات أمنية وديبلوماسية، وتركزت على ضرورة تجنيب لبنان الانجرار إلى أي تصعيد إقليمي جديد. ومفاد هذه الرسائل أن المنطقة تقف أمام احتمالين متناقضين: إما انفجار عسكري واسع يعيد خلط الأوراق، وإما تسوية إقليمية كبيرة تعيد رسم التوازنات. وفي الحالتين، يُطلب من لبنان التحسب للأثمان التي قد تترتب على خياراته، وعدم التعامل مع المرحلة باعتبارها مجرد جولة إضافية من المواجهة.

تكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول الجاري، والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني المقبل. فهل يسعى بنيامين نتنياهو إلى توظيف التصعيد العسكري لتعزيز موقعه الانتخابي، أم أن كلفة فتح جبهة واسعة مع إيران قد تدفعه إلى تأجيل المواجهة؟ وهل يفضّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجنب عملية عسكرية كبيرة قبل الانتخابات، خشية انعكاساتها على أسعار الطاقة والاقتصاد الأميركي ومواقف الناخبين، أم أن حسابات الردع والضغط على طهران قد تتقدم على الاعتبارات الانتخابية؟

لا توجد إجابة حاسمة عن هذه الأسئلة. فالتوقيت الانتخابي قد يشجع بعض الأطراف على تأجيل خطوات عسكرية مكلفة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى عامل ضغط يدفع نحو استعراض القوة أو محاولة فرض وقائع جديدة قبل الاستحقاقات. كذلك، فإن تأجيل المواجهة لا يعني بالضرورة التخلي عنها، كما أن التصعيد لا يضمن تحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية.

ومن هنا، لا يمكن الجزم بأن ما قبل الانتخابات سيكون أكثر أماناً من المرحلة التي تليها. فقد تتراجع فرص التصعيد الواسع مؤقتاً إذا فضّلت واشنطن احتواء المواجهة، لكن انتهاء الاستحقاقات قد يزيل بعض القيود السياسية، من دون أن يعني ذلك أن الحرب أصبحت حتمية. وفي المقابل، يبقى احتمال انفجار الوضع قبل الانتخابات قائماً إذا تعثرت المساعي الديبلوماسية أو وقعت تطورات ميدانية تفرض تغيير الحسابات.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى لبنان لا يتعلق فقط بموعد المواجهة المحتملة، بل بطبيعة موقعه منها. فالتحذيرات التي تصل إلى بيروت لا تتناول احتمال الحرب الإقليمية فحسب، وإنما تركز على مخاطر انخراط “حزب الله” فيها، وما قد يستتبعه ذلك من رد إسرائيلي واسع على الأراضي اللبنانية، في وقت لا يزال فيه البلد يواجه تداعيات المواجهات السابقة، فيما لم تنجح المفاوضات الجارية في تثبيت ترتيبات أمنية تنهي الاعتداءات الإسرائيلية وتضمن الانسحاب من المناطق المحتلة.

وتزداد خطورة هذا الاحتمال في ظل التهديدات الإسرائيلية المتكررة بتوسيع العمليات العسكرية، وربط الانسحاب من جنوب لبنان بنزع سلاح “حزب الله”، فضلاً عن التلويح باستهداف مناطق لبنانية إضافية إذا انخرط الحزب في أي هجوم إيراني. وبذلك، لا تعود المسألة محصورة في احتمال فتح جبهة جنوبية، بل تشمل مخاطر توسع الاستهدافات وتفاقم الأضرار البشرية والعمرانية والاقتصادية، وتعطيل ما تبقى من قدرة الدولة على احتواء الأزمات.

في المقابل، لا يستطيع لبنان التعامل مع هذه التحذيرات باعتبارها ضمانة لعدم وقوع الحرب، ولا افتراض أن تجنب التدخل في المواجهة سيمنع تلقائياً الاعتداءات الإسرائيلية. فالتجربة القائمة تظهر أن قرار التصعيد الإسرائيلي لا يرتبط حصراً بما يفعله لبنان أو يمتنع عنه، وإن كان انخراط “حزب الله” في حرب إقليمية قد يمنح “إسرائيل” ذريعة لتوسيع عملياتها ويزيد من حجم المخاطر التي يتعرض لها البلد.

الرسالة الأهم في التحذيرات الخارجية أن لبنان قد يجد نفسه أمام استحقاقين متعاكسين في الظاهر، لكنهما يتطلبان منه استعداداً سياسياً وأمنياً مختلفاً. فإذا اتجهت المنطقة نحو مواجهة واسعة، فإن الأولوية اللبنانية تصبح منع انتقال الحرب إلى الداخل، وحماية المدنيين والبنية التحتية، وتفادي تحوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. أما إذا أفضت الاتصالات إلى تسوية كبيرة، فسيكون على لبنان أن يحدد موقعه فيها، وأن يحول دون فرض ترتيبات تمس سيادته أو تجعل مستقبله الأمني رهناً بتفاهمات لا يملك التأثير الكافي في صياغتها.

شريط الأحداث