الرئيسيةSlider"خرجنا من المضارب ولم نتمكن من شقع العمارات"!

“خرجنا من المضارب ولم نتمكن من شقع العمارات”!

| جورج علم |

كان اللقاء مهماً بمعزل عن نتائجه المباشرة. وبدلاً من أن تذهب طهران إلى “حلف مكة” الثلاثي، ذهب الثلاثة إلى حاضنتها لتحقيق أهداف استراتيجية، بينها:

  • السعي إلى تفادي حرب أميركية ـ إسرائيلية جديدة ضد إيران، وتجنّب تداعياتها المدمرة على دول المنطقة، واغتنام الفرصة المتاحة ما بين الاستحقاقين الانتخابيين في كل من واشنطن وتل أبيب، لتغليب المسار الدبلوماسي على المسار العسكري.
  • معالجة الوضع في اليمن، وخفض التصعيد المتواصل الذي ترتد آثاره السلبية أولاً على المملكة العربية السعودية.
  • هندسة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وإرساء منظومة أمن نابعة من داخل دول المنطقة.
  • تعزيز فرص الحوار والتفاهم بين الدول الأعضاء في “منظمة التعاون الإسلامي”، وتفادي المحاولات الرامية إلى “شق الصف”، ونكء الجراح التاريخية التي لم تندمل بعد.

كانت باكستان المبادرة. وأعلن نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري كني أن فكرة الاجتماع تبلورت خلال الزيارة التي قام بها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران قبل فترة، إذ أبلغ أمين المجلس الأعلى محسن رضائي بقرار الرياض وأنقرة وإسلام آباد التوجه إلى طهران لعقد محادثات مشتركة بهدف “أقلمة الأمن في المنطقة من دون تدخل خارجي”. إلا أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أكد أن “تداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان” كانت أيضاً على جدول الأعمال.

وتتوزع الدوافع ما بين الحواصل السياسية والعسكرية التي فرضت هذا المسار، بعدما أثبتت الوقائع أن القواعد الأميركية المنتشرة في منطقة الخليج، تحت شعار “تأمين الحماية الكافية لدولها”، قد تحوّلت إلى حجة تذرّعت بها القيادة الإيرانية في معرض الدفاع عن النفس ومواجهة الاعتداءات الأميركية التي تستهدفها.

ولم توفر القيادة المركزية الأميركية الوسطى “سنتكوم” أسباباً مقنعة تخفّف من حالة الاحتقان والغليان السائدة في دول مجلس التعاون الخليجي، نتيجة العجز ـ أو التواطؤ ـ الأميركي، وعدم القيام بالمهام الدفاعية للذود عن هذه القواعد، وعن مصالح الدول الحاضنة لها. وقد كانت الأثمان التي تكبدتها، ولا تزال، باهظة نتيجة هذه الحرب التي ليست حربها، بل فُرضت عليها، ونتيجة الازدواجية والتباين الواضح في الخطاب الأميركي ما بين القول والفعل.

وازدادت الهوة عمقاً بعدما تجاهلت واشنطن طلبات ملحّة من القيادة السعودية لمؤازرتها في مواجهة ما تتعرض له أراضي المملكة ومنشآتها من اعتداءات مكلفة ومتعمدة، في وقت يتمادى فيه الرئيس دونالد ترامب بضخ المزيد من المواقف البهلوانية التي تفتقر إلى المصداقية، وترقص على حبلين متوازيين لا يلتقيان: التهديد بالحرب وتحديد ساعة الصفر، ثم التراجع والتغني بالمفاوضات والتقدم الذي تحرزه، لكن من دون تحقيق أي خطوة عملية على أرض الواقع.

ولم تؤسس هذه “المراوغة” الأميركية، ولا تلك المواقف الطافحة بالمزاعم، إلى استخلاص عبر صادقة من سياسة واشنطن المعتمدة. فلا القواعد أفلحت في الاضطلاع بمهام الدفاع وتوفير الحماية، ولا الوعود الطافحة بالتهديد والوعيد صدقت، ولا الضمانات الأمنية، وحتى السياسية، أخذت طريقها بشفافية نحو التنفيذ. والدليل أن العلاقات الاستراتيجية تحولت إلى ما يشبه بوقاً إعلامياً كبيراً، يضخ المزيد من الوعود الفارغة والتهديدات التهويلية التي لا طائل تحتها. “فالطبل الكبير يقرع بقوة ـ كما يقول دبلوماسي عربي ـ لكن المعنيين أدركوا بأنه فارغ من أي محتوى، وتراجيع صوته تذهب صدى عبر تموجات الأثير!”

ومع ازدياد وتيرة الاعتداءات على الأهداف المدنية والبنى التحتية السعودية، وتجاهل الولايات المتحدة المتعمد للانهيار الذي يصيب جدار الثقة، والانحدار نحو منزلقات جديدة في العلاقات، تكشّفت الاتصالات المستمرة وحركة الوفود المكثفة عن تباين واضح في المواقف والمقاربات، ونشوء حالة من الإدراك لدى العديد من القادة الخليجيين بأن “مصالح إسرائيل” لا تزال أولاً، وحتماً، في رأس الأجندة الأميركية.

السياسة المعتمدة من قبل البيت الأبيض تقود إلى قناعتين أصبحتا حتميتين وراء كواليس المنتدى الخليجي. الأولى تشير إلى الهواجس حيال ما بلغته الحركة العمرانية التطويرية، سواء لدى السعودية بشكل خاص أو لدى الدول الخليجية بشكل عام، وهذا ما يقلق الإدارة الأميركية و”إسرائيل” والعديد من الدول القريبة منها والبعيدة. وبالتالي، تكوّنت قناعة تفيد بوجود تشجيع ضمني للمعاول الهدامة كي تمعن في الهدم والتدمير والنيل من كل الإنجازات التي تحققت، أو تلك التي هي في طور التحقيق.

أما الثانية، فتنطلق من مجموعة حقائق ومعلومات مدققة تفيد بأن الإدارة الأميركية متناغمة إلى أقصى حدود التناغم مع الأهداف الإسرائيلية التوسعية، وأن أولوية الرئيس ترامب هي الضغط على السعودية لتخطّي القضية الفلسطينية و”حل الدولتين”، والإقدام على الاعتراف بـ”إسرائيل”، والدخول في “الاتفاقات الإبراهيمية”، وفتح صفحة جديدة عنوانها شراكة استراتيجية سعودية ـ أميركية ـ إسرائيلية متكاملة في “الشرق الأوسط الجديد”!

حتى إن الخلاصات الأخيرة لخلفية بعض المواقف المعلنة تشير إلى وجود “توافق وتصميم أميركي ـ إسرائيلي” على اعتماد سياسة هادفة إلى إحداث شرخ كبير بين الدول الكبرى الوازنة في “منظمة التعاون الإسلامي”، وتحديداً بين “حلف مكة” الثلاثي من جهة، وإيران من جهة أخرى، على خلفيات تاريخية عقائدية. وهذا ما دفع بـ”دول التحالف” إلى زيارة طهران بهدف وضع الكثير من النقاط فوق الكثير من الحروف الجامدة، لا بل الخطيرة.

ويقول وكيل وزارة الخارجية السعودي رائد قرملي: “إن الاجتماعات تأتي في إطار استمرار جهود دول اتفاق مكة لخفض التصعيد بين أطراف الأزمة الحالية، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية”.

ويقول الخبير العسكري الإيراني مهدي بختياري: “إن النقطة الجوهرية تتمثل بالضغط الكبير الذي تواجهه السعودية من جراء المواجهة مع الجانب اليمني، وتسعى دول تحالف مكة لتوفير هامش أمان يحمي الرياض. والهدف الآخر ينصبّ على بناء الثقة مع طهران، وكسب تطميناتها لتفادي وتقليل الأضرار الناجمة عن أي رد عسكري إيراني محتمل على أي عدوان جديد”.

لكن هل إدارة الرئيس ترامب مصممة على العدوان، وما موقفها من زيارة “تحالف مكة” إلى طهران؟

يجيب دبلوماسي عربي: “خرجنا من المضارب… دون أن نتمكن من شقع العمارات!”

شريط الأحداث