الرئيسيةSliderهل أصبح التنبؤ بالزلازل الكبرى ممكناً؟

هل أصبح التنبؤ بالزلازل الكبرى ممكناً؟

تُعدُّ الزلازل من أكثر الظواهر الطبيعية تدميراً، ليس فقط بسبب قوتها الهائلة، وإنما أيضاً لصعوبة التنبؤ بموعد وموقع قوعها. ورغم التقدم الكبير في علم الزلازل وتقنيات مراقبة حركة الصفائح التكتونية، لا يزال تحديد المكان والوقت الدقيقين لوقوع زلزال كبير يمثل تحدياً أمام العلماء.

لكن دراسة جديدة تطرح مقاربة مختلفة؛ فبدلاً من محاولة تحديد موعد وقوع الزلزال، يسعى الباحثون إلى معرفة أين تتراكم الضغوط على طول الصدوع، وتحديد المناطق الأكثر احتمالاً لحدوث الزلازل الكبرى فيها.

وفي هذا السياق، طوّر فريق من الجيوفيزيائيين في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد الأميركية طريقة جديدة تساعد على تحديد المناطق الأكثر عرضة لأعنف الزلازل على وجه الأرض، في خطوة قد توفر أداة مهمة لتحسين الاستعداد للكوارث في بعض أخطر المناطق الزلزالية حول العالم.

وعلى خلاف محاولات التنبؤ بتوقيت الزلازل، تركز الطريقة على رصد المناطق التي يتراكم فيها الإجهاد على طول الصدوع الكبرى؛ ما يساعد العلماء على تحديد المواقع الأكثر احتمالاً لحدوث التمزق الزلزالي عند وقوع الزلزال.

يقول الباحثون إن الزلازل تتصدر عناوين الأخبار لحظة وقوعها، لكن الصدع يكون قد ظل لسنوات يراكم الإجهاد في صمت، ويمكن قياس هذا الإجهاد.

وفي اختبار للطريقة، نجح النموذج الذي طوّره الباحثون في تحديد جزء من منطقة اندساس كامتشاتكا شرق روسيا، شهد لاحقاً زلزالاً ضخماً؛ ما يعزز إمكانية استخدام هذا النهج لتحديد مواقع الزلازل الكبرى، حتى مع استمرار صعوبة التنبؤ بموعد وقوعها. ونُشرت النتائج في عدد 4 سبتمبر (أيلول) من دورية “Geophysical Research Letters”.

منهج الطريقة

يركز أسلوب الفريق على “مناطق الاندساس”، حيث تنزلق إحدى الصفائح التكتونية تحت أخرى. وتُعدُّ هذه المناطق مصدراً لأعنف زلازل الأرض، بما في ذلك زلازل تتجاوز قوتها 8.5 درجة، وغالباً ما تتسبب في أمواج تسونامي مدمرة.

وباستخدام قياسات دقيقة لحركة الأرض عبر أقمار تحديد المواقع (GPS)، طوّر الباحثون خوارزمية تكشف الأجزاء “المقفلة” من الصدوع التي تختزن الطاقة. وتُعرف هذه المناطق باسم “النتوءات” (asperities)، وهي أجزاء مقفلة من سطح الصدع تقاوم الحركة بسبب الاحتكاك، إلى أن يتراكم إجهاد كافٍ لإطلاق زلزال كبير.

وكان الفريق قد حدد إحدى هذه المناطق المقفلة أسفل شبه جزيرة كامتشاتكا قبل وقوع الزلزال الكبير هناك. ورغم أن توقيت الحدث ظل خارج نطاق قدرة الطريقة على التنبؤ، وقع التمزق في المكان نفسه تقريباً الذي أشار النموذج إلى تراكم الإجهاد فيه.

وكشفت النتائج أيضاً عن أن الزلازل التي تقع في المنطقة نفسها قد تتصرف بشكل مختلف تماماً؛ فرغم أن كامتشاتكا شهدت زلزالين عملاقين في عامي 1952 و2025، تسبب الحدث الأخير في موجة تسونامي أصغر بكثير؛ ما يشير إلى أن الجزء الأقرب إلى سطح الصدع انزلق بمقدار أقل مقارنة بالزلزال الأول.

ويشدد الباحثون على أن طريقتهم لا تستطيع التنبؤ بحجم أمواج التسونامي أو توقيت وقوع الزلازل، لكن تحديد المناطق الأكثر خطورة قد يسهم في تحسين خطط التأهب على المدى الطويل.

ويعمل الفريق حالياً على تطبيق هذا النهج في مناطق اندساس رئيسية أخرى باليابان، والمكسيك، ونيوزيلندا وشمال غرب المحيط الهادئ في الولايات المتحدة؛ إذ تحمل كل منها تعقيدات إضافية، مثل وجود صدوع تطلق طاقتها تدريجياً بدلاً من إطلاقها في زلازل مفاجئة. كما يستكشف الباحثون إمكانية تطبيق تقنيات مشابهة لفهم صدوع كاليفورنيا بشكل أفضل.

فجوات في المراقبة العالمية

يتطلب توسيع نطاق هذه الطريقة رصداً أكثر دقة؛ فبينما توفر محطات (GPS) البرية بيانات قيّمة، لا تزال القياسات في أعماق المحيطات محدودة للغاية، رغم أن الكثير من أخطر الصدوع في العالم يقع تحت قاع البحر، وفق الدراسة.

وقد بدأ باحثون في اليابان استخدام أجهزة صوتية موضوعة على قاع البحر لقياس التشوهات البطيئة على مدى سنوات طويلة، في حين تُقترح جهود مماثلة في مناطق أخرى، من بينها تشيلي وشمال غربي المحيط الهادئ. ومن المتوقع أيضاً أن يوفر قمر اصطناعي أُطلق أخيراً قياسات إضافية للمناطق التي تفتقر حالياً إلى تغطية كافية من أجهزة (GPS). ويكشف هذا العمل عن فجوات كبيرة في مراقبة الزلازل عالمياً، خصوصاً في أجزاء من المحيط الهادئ التي تندر فيها البيانات اللازمة لتقييم مخاطر التسونامي.

ويؤكد الباحثون أن تحسين القدرة على تحديد أماكن الزلازل يجب أن يكون مكملاً للاستعداد العام، وليس بديلاً عنه، في حين يرى الفريق أن خوارزميته قد تساعد مستقبلاً في تقييم المخاطر الزلزالية على امتداد الكثير من أخطر حدود الصفائح التكتونية النشطة في العالم، شريطة توفر بيانات كافية.

شريط الأحداث