“الدولار” و”الميثاقية السنية” يهددان الانتخابات!

/محمد حمية/

يكاد الهمس والغمز الذي يدور في الكواليس السياسية، يُجمع على أن حصول الانتخابات النيابية غير مؤكد، أقله حتى الساعة.. وأن النسبة تتفاوت بين 50% لحصولها و50 % لتأجيلها.

المرجحون لإجرائها يستندون الى معطيات داخلية وخارجية تُعزّز هذا الخيار، أبرزها التحشيد الداخلي لخوض هذه المعركة، لحسم الأحجام والأوزان النيابية والسياسية التي يراهن كل فريق على تضخيم حجمه ووزنه السياسي، بعدما أنهكت الندوب السياسية والنتوءات الشعبية التي أحدثتها “انتفاضة” 17 تشرين 2019، جسد الأحزاب اللبنانية.

لذلك، تكتسب الانتخابات هذا العام أهمية اضافية، كونها أول انتخابات بعد أحداث 17 تشرين، في ظل رهان قوى داخلية تنتمي إلى المجتمع المدني، وقوى خارجية تتصدرها واشنطن وباريس ومعهما دول الخليج، على أن تؤدي الانتخابات إلى تغيير نوعي في الهوية السياسية للمجلس النيابي وفي التوازنات الداخلية، تؤدي إلى تحجيم النظام السياسي القائم الذي يعتبرون أن حزب الله هو عموده الفقري، بتحالفه مع حليفيه الشيعي حركة أمل والمسيحي التيار الوطني الحر والحلفاء في بقية الطوائف.

ويطمح الفريق الأميركي ـ الخليجي في الوقت عينه، لتقدم منظمات وتيارات تنضوي تحت لواء “المجتمع المدني”، ويعتقدون أن الانتخابات هي الباب الوحيد لعبورها الى البرلمان وخوض الاستحقاقات الأخرى بمعادلة نيابية – سياسية جديدة.

لذلك، يرى المؤيدون لفرضية إجراء الانتخابات أن القوى الدولية ستعمل على اقنتاص فرصة الانتخابات لفرض التوازن الجديد، وتشكيل قوة نيابية تُحدث نوعاً من التوازن مع فريق حزب الله وحلفه الوطني. ويسلطون الضوء على العودة الخليجية الميمونة إلى لبنان من البوابة الانتخابية، للعب دور سياسي مستقبلي، ما يعد مؤشراً على حصول الانتخابات.

أما المرجحون لخيار التأجيل، فيقدمون معطيات ومؤشرات معاكسة، وأبرزها خوف معظم الأطراف الأساسية، باستثناء ثنائي أمل ـ حزب الله، من خوض المعترك الانتخابي في ظل الظروف الحالية.

التيار الوطني الحر، والعهد الحالي الذي دفع الثمن الأكبر خلال أحداث 17 تشرين بعد تحميله مسؤولية “خراب البصرة”، يخشى المحاسبة الشعبية، وأن تؤدي الى تراجع كتلته النيابية وتمثيله السياسي لصالح قوى مسيحية أخرى قبل “معركة تشرين” الرئاسية، رغم تحصن “التيار” بدرع التحالف مع حليفه حزب الله وحليف الحليف حركة أمل، ويفضل تأجيل الانتخابات الى ما بعد الانتخابات الرئاسية علّه، عبر المجلس النيابي الحالي، ينجح بإيصال مرشحه إلى كرسي بعبدا.

أما وضع “القوات اللبنانية” فلا يقل خطراً عن وضع “التيار”، ويكثر الحديث في مجالس “القوات” الداخلية عن أن الحفاظ على الكتلة الحالية أقصى الطموح، وأن خسارة الكتلة القواتية مقعدين على الأقل باتت مؤكدة، بعدما واجهت “معراب” أزمة تحالفات في مختلف الدوائر، لرفض تيار المستقبل تجيير أصواته لـ”القوات”، وكذلك رفض تجمعات “الثورة” التحالف معها، وكذلك تعثر التحالف مع الحزب الاشتراكي في بعض الدوائر.

أما الحزب التقدمي الاشتراكي فيعاني بدوره خللاً في التحالفات، بعد خروج حليفه التاريخي والتقليدي “تيار المستقبل” من السباق الانتخابي.

ويجري الهمس في الأروقة السياسية أن خروج الرؤساء نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام، مرده قناعتهم بعدم حصول الاستحقاق الانتخابي في موعده.

لذلك، تخشى الاطراف المطالبة الصريحة بتأجيل الانتخابات، حتى لا تتحمل مسؤولية أمام جمهورها والرأي العام والمجتمع الدولي.. وكل طرف ينتظر الآخر لإعلان التأجيل حتى تكر “سبحة” المطالبين بالتأجيل…

كل ذلك، والاطراف ستذهب الى الانتخابات بلا تمويل كمن يذهب إلى الحرب من دون سلاح، في ظل شح الدعم المالي الخارجي، وغياب الممولين المحليين، أو ما يُعرف بـ”روافع اللوائح” من رجال أعمال “خسر كثير منهم ودائعه” أو نقلوا أموالهم وأعمالهم وإقامتهم الى خارج لبنان ولم تعد تعنيهم “النيابة”، وكذلك مصارف تواجه بدورها الملاحقات القضائية في ملف الودائع وتهريب وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع.

ومن مؤشرات التأجيل التي ظهرت على الساحة مؤخراً، تبدل الحسابات عند الأميركيين الذين لم تعد تظهر حماستهم لهذا الاستحقاق، بعد الدراسات واستطلاعات الرأي التي أُجريت والتي أعطت جميعها مؤشرات حول أن نتائج الانتخابات ستحافظ على “ستاتيكو” نيابي، باستثناء بعض الوجوه الجديدة التي أدخلتها الأحزاب على لوائحها، وتلك التي ستنجح تجمعات “المجتمع المدني” بإيصالها.. وخلاصة المشهد الانتخابي الجديد الحفاظ على حجم حلف حزب الله ـ أمل والحلفاء مع التيار الوطني الحر، ما يسقط الهدف الذي تريده واشنطن من الانتخابات. لذلك قد تطلب سفارة “عوكر” من فريقها في لبنان مقاطعة الانتخابات والمطالبة بتأجيلها.. لكن ما هي الأسباب والدوافع التي قد تُشكل الذريعة الموضوعية لذلك؟

تظهر فرضية جديدة ما بين الفرضيتين تقول إن المسار الذي تسلكه الأوضاع النقدية ـ المصرفية والمالية ـ الاقتصادية منذ أيام، بعد اندلاع الحرب القضائية ـ المصرفية، لا تبُشر بالخير، وتؤشر إلى أن كرة النار تكبر تدريجياً وتوقيت انفجارها مربوط على “الساعة الانتخابية”.

والأسباب قد تكون مخاطر سياسية واقتصادية وأمنية، أو جميعها، قد تهدد مصير العملية الانتخابية برمتها:

ـ عودة سعر صرف الدولار للارتفاع بالتزامن مع أزمة محروقات جديدة وارتفاع أسعارها ،وأزمة قمح وزيت، وتضخم تاريخي في أسعار المواد الغذائية.. وتتوقع أوساط مالية ومصرفية اشتداد وطأة الحرب القضائية ـ المصرفية، ما سيخلق أزمة سيولة جراء توقف “منصة صيرفة” وإقفال المصارف، وبالتالي توقف تحويل الرواتب والعمليات المالية بالليرة والدولار، ما سيؤدي الى فوضى مالية ـ اقتصادية ـ اجتماعية عارمة.

ـ “الميثاقية السنية”: ظهور أصوات تتحدث عن “إقصاء” الطائفة السنية عن المشهد الانتخابي ستعلو كلما اقتربنا من موعد الانتخابات، بعد عزوف كامل أعضاء “نادي رؤساء الحكومات السابقين”، ما يطرح إشكالية “الميثاقية” مجدداً، ودعوات لمقاطعة الشارع السني للانتخابات، على سبيل إلقاء الحجة على الطائفة الشيعية بأنها لا تقبل أن يصل إلى مجلس النواب من لا يمثلها، وكذلك الطائفتين المسيحية والدرزية.

ـ السبب الأمني يتأتى من السببين الأول والثاني.. فالضائقة الاقتصادية والاجتماعية ستدفع البلاد نحو انفجار اجتماعي محتوم، وبالتالي انفجار أمني في الشارع يواكبه إثارة “العصبية السنية”، ما سيدفع الحكومة والمجلس النيابي لتأجيل الانتخابات لتعذّر حصولها تحت عنوان “الظروف الطارئة التي تشهدها البلاد”.