| علي فضّة |
أقول لنهدأ هُنَيْهة، لنفكّر معًا، كيف حدث وأن صرّح بايدن بالموافقة على شروط “حماس”؟ “الورقة المصريّة ـ القطرية” الموافق عليها من فصائل المقاومّة الفلسطينيّة اللذين تمثلهم بالمفاوضات حركة “حماس”.
بداية لم تكن المطالب الفلسطينيّة أبعد من شروط معركة “تكتيكية”. بالتالي لم نلحظ، لا على لسان قادّة المُقاومّة ولا ضمن المفاوضات وبنودها، ما يتم التسويق له إعلاميًا، عربيًا أم دوليًا، ما يُعرّف بـ “حل الدولتين”. أليس بالأمر مفارقة او يحتاج وقفة تأمّل استقرائي؟! بينما تركض دوّل للاعتراف بفلسطين، كمحاولة لامتصاص غضب معدي. لذا لم يكن على إثر هذا الاعتراف الترحيب حارًا، كان فاترًا، لا بل باردًا. ولماذا بعد مرور سبعة أشهر تقريبًا من طوفان الأقصى هذا الاعتراف؟! لا يقل لي أحد، كان ذلك نتيجّة لحرب الإبادة الجماعية التي لم تعد تنفع معها مساحيق التجميل والأقنعة ولا القفازات التي تقوم بها “إسرائيل”، تصديق ذلك، وكأنّ اللعبة انطلت علينا، لأنّ المبالغة في تعظيم إعطاء المقاومّة ما هو لها أساسًا من لسان المدير التنفيذي للكولونياليّة الأميركية. ذلك يعني أن أميركا تغيرت أو غيرت تكتيكها، وهذا غالبًا هو الأرجح.
بايدن، بدايّة، يحاوّل تقزيم وتحجيم، تمهيدًا لاستيعاب حدث 7 تشرين الأول/أكتوبر، الذي بكينونته وتأثيراته أعاد رسم مشهد فلسطيني جديد ببلورة تحريريّة تراكمية للصراع، وانسحب ذلك المشهد على الإقليم ثِقّة وفرصة. أما على العالم، وذلك على المستوى الشعبي طبعًا الذي ساهم بإسقاط ورقة التوت على المنهج المتوحش الغربي بالتعامل مع هكذا قضايا، المقاومّة أثّرَت بالعالم بمختلف شرائحهم، بشكل أعاد استقراء قضيّة كانت في أدراج التمييع والقتل الممنهج الذي كان بصمت، والسجن اللا إنساني، بحق، ظهرت قضبانه المخفية. الطوفان أزال غشاوة تضليلية عمادها “الفوز بمعركة السرديّة” كمنهج “إسرائيلي” معتمد غربيًا، وهشّمها، حتى باتت سرديتهم خرقة بالية، وكيانهم اللقيط أثبت أنه بمختلف توجهاته اليمينية الحاكمة ما هم إلّا كائنات هلامية وقتلة بتفوق غربي داعم. خاضوا معركتهم دون أي استراتيجية ناجعة، فاكتفوا بتكتيك القتل والإبادة كملاذ للجبناء التائهين في فوضى الصدمة، متوهمين أنّ ذلك ينفع لتركيع المقاومة وبيئتها الحاضنّة. جواب المقاومّة كفكرة وجمهورها العريض كان “كلما قتلتمونا سنعي أكثر”.
هذا ليس شعرًا ولا نثرًا، هو معرفة بالطبيعة الكينونية للكيان المُحتل الذي لم يكن يومًا إلّا هشًا، لكن نحن كان شبقنا التاريخي بالتآمر مسيطراً، والتثبيط والركون لأميركا كإله يعبد من دون الله سمة سائدة، ذلك بمبرر “الواقعيّة السياسية” كمصطلح ميكافيلي تافِه.
ما الذي فعله بايدن إذن؟
لنتفق اولًا أن الولايات المتحدة ليست “إسرائيل”، وإن كانت من صلبها منذ عقود.
عندما هرع جو بايدن الى الكيان المحتل صبيحة الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أتى بنصائح إنقاذية غير ملزمّة، وببالغ الحرص قال “لا تكرروا أخطاءنا في فيتنام وأفغانستان” – إجمالًا بايدن رئيس وليس حاكماً – لم يُعِر الكابينت آذاناً صاغية لنصائحه، حينها فضّل جو بايدن ممارسة دور “الزوج المخدوع” مرغمًا بحكم غياب الحاكمية لديه. السبب نفسه جعل بايدن ومن خلفه ينطقون بتصريح القبول بشروط “حماس”. المقاومّة بحاجة لهذا لا ريب، لكن ما هو دافع رئيس الولايات المتحدة؟ هنا تكمن محورية السؤال. الجواب نفسه صبيحة بدأ الطوفان “الحرص على إسرائيل” كجوهر، وكتفرعات. الوضع بدأ بالتفلت.
ذاك الطوفان الفلسطيني وجبهات الإسناد المتعددة وتشكيل المحور المتناغم الذي بات واقعاً جيوسياسياً، مقلق للغايّة، وارتداداته العالمية دقّت جرس إنذار أحمر. بايدن يريد الاستيعاب لحالة بدأت بالخروج عن السيطرة، لعدة أسباب جوهرية، تأخذ منحى الأولويات لإدارته، أهمها الحفاظ على الدول ذات الهوى الأميركي، ومن ثم ـ وهذا الأهم ـ موضوع “حل الدولتين” كحد أدنى لأولويات أميركا، لأنه مع يقين بايدن أن هزيمة المقاومّة مستحيلة وسط تحديات وجودية عابرة لغرب آسيا، الخطر الشرق الأوسطي بالنسبة له يجب لجمه، لأن إطالة أمد المعركة فيه، قد يذهب للفظ مسالة “دولة فلسطينية منزوعة الشخصية وفاقدة لمقومات الدوّل” وكحالة تخديرية لفلسطين.
تدرك الولايات المتحدة أن تدحرج كرة المقاومة وسط عجز إسرائيلي، وبتوقيت أميركي غير ملائم للحسم والتدخل الكامل المباشر، قد يفضي إلى جذريّة أعمق لدى المقاومّة، وهذه حقيقة اكتشفت مؤخرًا على ما يبدو، وبالتالي لا خيارات كافية لدى بايدن تتيح له استمرار الدعم المطلق “لإسرائيل” من دون أمل بتحقيق نتائج، إلّا توسع رقعة الحرب وهذا ليس ضمن التمنيات الأميركية، لا بل مرفوض، ضمن إدارة الحرب الدائرة في بلاد العم سام.
المقاومّة بحاجة للوقت، هذا أكيد، لاعتبارات تخصها، لكنها بالتأكيد ليست نفس الاعتبارات الأميركية، لأنّ الشخصية المقاومّة عامة، لن تفوت فرصة تضعضع الكيان البنيوي وفقدانها للدور الوظيفي رغم المكابرة على هذا. بايدن يعتقد أن مساره المستجد قد يمنح “إسرائيل” فرصة الانصهار بالسلام مع العرب، بالتالي محيطها، ما يؤدي إلى تطويق المحور، حسب ظنّه، ذلك بالقول إن “إسرائيل” بلد موجود ومعترف به. لكن هذا التكتيك الأميركي ليس ضمن استراتيجية المقاومّة، التي تقارب الصراع بِعَدٍّ تنازلي جديّ لم يكن موجودًا سابقًا بهذه الحماسة والثقة والخبرة. والأهم ان القيادات الفلسطينية المقاومة، ليس لديها شبق السلطة كغيرها من القيادات “الأوسلوية”. بايدن يشتري وقتًا لصالح المقاومّة مجبرًا تأخير ما هو ليس ببعيد، وهو ما قاله الناطق الرسمي الاممي للمقاومة في فلسطين “أبو عبيدة” عندما قال “سنكنسهم من أرضنا”. وإجمالًا هذا رأي كافة قيادات المحور التي لا تعترف بكيان يسمى “إسرائيل”.
بايدن يستغل أصغر الهوامش المتاحّة لدى “مشغّليه”، وسط عجز عن تحقيق انتصار ساحق مؤدّب للفلسطينيين خاصة وللمحور عامة، ومن ضمن الهوامش المتاحّة، استغلال دوّل عربية طارحة لنفسها وظيفة بدل “إسرائيل” او بجانبها لا فرق.
المقاومّة انتصرت من دون منّة من أحد، وإكمال مشروعها المتبلور ليس بحاجة إلى أحد. يكفي التركيز على الداخل “الإسرائيلي” في اليوم التالي لوقف إطلاق النار إن نجح، حيث سيذوب الثلج ويظهر ما كان مرجاً.