إهتمام روسي بالاستحقاق الرئاسي.. وكلام مع الرياض

| جورج علم |

يتحدث الرئيس فلاديمير بوتين عن دور لإطلاق سراح الأسرى، فلا يترك كلامه صدى على الجبهات المفتوحة من غزّة إلى البحر الأحمر. الكلام المسموع هنا، والمسموح به فوق هذا المسرح الواسع المضرّج بالدماء، هو للأميركي حصراً، واستتباعاً لهويات أخرى متعاونة يقال إنها تبحث عن هدنة، وعن مواصفات اليوم التالي… المجهول تاريخ الولادة لغاية الآن!

وتظهر على صفحة الإعلام صورة للدبلوماسي المحترف ميخائيل بوغدانوف محاطاً بقادة من “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، لكن سرعان ما تمزّقها شفار المسلخ الشغّال، وتلتهمها “البروباغندا” الأميركيّة ـ الصهيونيّة. الأفضليّة هنا لصور حفّاري القبور من الأطلسي وصولاً إلى الشرق الأوسط.

كانت الصورة الوحيدة اللافتة، والمثبّتة ضمن إطار مكتنز بعلامات الاستفهام، تلك التي جمعت رئيس “الحزب التقدمي الإشتراكي” وليد جنبلاط مع رئيس الدبلوماسيّة الروسيّة سيرغي لافروف، بحضور بوغدانوف، وبعض مسؤولي دائرة الشرق الأوسط.

أما المحادثات فطافت على الشكل، قبل المضمون. هل كانت رسميّة؟ يفترض كذلك، كون الحكومة اللبنانية كانت ممثّلة بسفير لبنان لدى موسكو شوقي بو نصّار لذي كان حاضراً، ويفترض بالتالي أن ينقل حقيقة ما جرى بأمانة وشفافيّة إلى الحكومة عبر وزارة الخارجيّة والمغتربين. لكن على الأرجح كانت ذات شؤون وشجون خاصة، باعتبار أن بو نصّار مقرّب من “المختارة”، وواحد من “مهندسي” الزيارة، وقد عمل جاهداً على أن تكون على هذا القدر من المستوى، نظراً لأهميّة المواضيع، ودقّة الظروف.

في هذا الوقت، كان “رادار بنشعي” شغّالاً، وأحاط الزيارة باهتمام، خصوصاً أنها تأتي بعد عشاء كليمنصو، و”الاستدارة” اللافتة لـ”البيك” باتجاه المرشّح الرئاسي سليمان فرنجيّة، كما تزامنت مع الدفع الذي توظّفه الدبلوماسيّة الروسيّة لإزالة ما يمكن من العقبات التي تعترض موكب فرنجيّة من بلوغ قصر بعبدا.

والكلام عن “الإستدارة” الجنبلاطيّة، وفق ما هو متداول في مجالس المقرّبين، يشير إلى الدور الذي لعبه “الصهر” الشيخ جوي بيار الضاهر في تقريب المسافات، استناداً إلى خريطة طريق تحاكي الحاضر والمستقبل بأهدافها ومراميها، فلا شيء هنا إسمه إرتجال، لا في ترتيب الطاولة، ولا من حولها؟ وماذا فوقها؟ ولا “الجَمْعة” كانت مجرّد “فلاش إعلامي”، بل هناك جهد قد بذل للتفاهم المسبق حول “المقبّلات”، وأصناف “الوجبة” المكتنزة.

ولا تغيب العراقة والأصالة، وهي متجذّرة في البيت الجنبلاطي، حيث كان “المعلّم” كمال جنبلاط واحداً من صانعي الرؤساء في لبنان، لا بل الأوحد في مرحلة من المراحل، ولا غرابة في انتقال “الحصريّة” إلى المؤتمن على الإرث للوقوف على المطل، ورصد هبوب الرياح، وتقلّباتها، وتثبيت الدعائم والمرتكزات، والبحث عن دور ريادي يليق بالزعامة التاريخيّة عندما يحين الأوان لإعادة تركيب “البازل” اللبناني المفكك بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية، بحيث يكون “الفارس” الذي سيمتطي صهوة الحصان الأبيض، على معرفة عميقة بقناطر المختارة… إن لم يمرّ من تحت عتباتها… خصوصاً أن اي رئيس محتمل يجب أن يضع في رأس أولوياته مدّ جسور متينة مع الزعامة الجنبلاطيّة الشابة، بهدف الإنطلاق، لسبر الآفاق.

والحقيقة أن موسكو الضليعة في فهم خصوصيات البيت اللبناني، حريصة أن تبقى على معرفة وثيقة بما يمثلّه الطامحون “للماراتون” الرئاسي، وفي الطليعة سليمان فرنجية، انطلاقاً من الحيثيّة، والموقع، والإمكانات، وشبكة التحالفات، في هذه المرحلة المصيرية التي يصار فيها صياغة شرق أوسط جديد، ولبنان جديد.

وبناء على ما تقدم، هناك محطات ثلاث يبنى عليها:

الأولى ـ هناك ضجيج أميركي، على قدر كبير، ومقلق، في الشرق الأوسط. زحمة بوارج، وحاملات طائرات في البحار. حروب إبادة، وتصفيات لا إنسانية لحقوق الإنسان، بالتكافل والتضامن مع الكيان الغاصب… بالمقابل، هناك شعاب دبلوماسيّة تتمدّد بهدوء من موسكو نحو عواصم دول المنطقة المكلومة أو المنهمكة، وصولاً إلى بكين، وبلاد الهند والسند. ولا يمكن إغفال شبكة المصالح العالية القدر بين هذه القوى مجتمعة في مواجهة حربين تقودهما الولايات المتحدة، ومن معها، من أوكرانيا، إلى الشرق الأوسط، لتمكين “القطب الواحد” من السيطرة، والتحكم بمصائر الشعوب والأمم.

الثانيّة ـ وكما أثّرت حرب أوكرانيا على تجارة الحبوب، ولقمة الفقير، كذلك حرب البحر الأحمر التي تعرّض التجارة العالميّة لتهديد مباشر من حيث حجم أعمالها، وأدائها، وفرص نموها، بعدما أقدمت أكثر من 18 شركة شحن على تعديل مسارها، وهو ما يزيد كلفة الرحلة الواحدة مليون دولار، علماً بأن التكاليف المضافة على كل رحلة سيتحمّلها المستهلك نتيجة زيادة أسعار الغذاء، والسلع، والخدمات.

إن “الإستعمار” الاقتصادي الجديد، وتداعياته الكارثيّة على الرياح الأربع، قد فعّل الدور الروسي في الشرق الأوسط، وآسيا، وأفريقيا لمنع “الكمّاشة” الأميركيّة ـ “التحالف الدولي” من إحكام السيطرة.

الثالثة ـ هناك كلام روسي مع بعض دول “الخماسيّة”، وتحديداً مع السعوديّة، لوقف تفكك “البازل” اللبناني بانتخاب رئيس. “الخماسيّة” ـ من منظار موسكو ـ لا تستطيع في ظل “الفيتو” الإيراني. السعوديّة تستطيع، ولها مصلحة في التعاون مع موسكو لحماية شبكات مصالحها من الزلزال المدمّر، والمنسّقة تردداته ما بين الأميركي والإيراني. السعودية قادرة، من حيث وزنها على الساحة اللبنانية، وتحالفاتها الوازنة. والعيون شاخصة نحو “تكويعة” جنبلاط، وما إذا كانت البداية، والمقدّمة “لتكويعة” أخرى، من “حليف” آخر كفيل بتأمين النصاب؟

إن ما يجري بين موسكو والرياض تفرضه مقتضيات الضرورة لضبط جنون العواصف العاتية، وتوفير الإمكانات المناسبة لتحرير مصالحهما من فكيّ “الكماشة”!

إن “الإستعمار” الاقتصادي الجديد، وتداعياته الكارثيّة على الرياح الأربع، قد فعّل الدور الروسي في الشرق الأوسط، وآسيا، وأفريقيا لمنع “الكمّاشة” الأميركيّة ـ “التحالف الدولي” من إحكام السيطرة.

الثالثة ـ هناك كلام روسي مع بعض دول “الخماسيّة”، وتحديداً مع السعوديّة، لوقف تفكك “البازل” اللبناني بانتخاب رئيس. “الخماسيّة” ـ من منظار موسكو ـ لا تستطيع في ظل “الفيتو” الإيراني. السعوديّة تستطيع، ولها مصلحة في التعاون مع موسكو لحماية شبكات مصالحها من الزلزال المدمّر، والمنسّقة تردداته ما بين الأميركي والإيراني. السعودية قادرة، من حيث وزنها على الساحة اللبنانية، وتحالفاتها الوازنة. والعيون شاخصة نحو “تكويعة” جنبلاط، وما إذا كانت البداية، والمقدّمة “لتكويعة” أخرى، من “حليف” آخر كفيل بتأمين النصاب؟

إن ما يجري بين موسكو والرياض تفرضه مقتضيات الضرورة لضبط جنون العواصف العاتية، وتوفير الإمكانات المناسبة لتحرير مصالحهما من فكيّ “الكماشة”!