تصوير عباس سلمان

“شال من الحرير الصيني”.. لكلٍّ من واشنطن وطهران!

| جورج علم |

من لا يملك نفوذاً على حرب غزّة، والمتفرّعات، لا يملك نفوذاً في بيروت.

إستخلص سفراء “الخماسيّة” هذه المعادلة خلال اجتماعهم الأخير. كانت السفيرة الأميركيّة سيدة الحضور، وقبل أن يسخن مقعدها في عوكر، أمسكت بالزمام، وأدركت عمق الفجوات. كانت الأعرف، والأكثر ثقة بأن ما يستطيعه آموس هوكشتاين، لا يقدر عليه جان إيف لودريان، ولا أي مبادر آخر. الرجل له وزناته حتى في بيئة المقاومة، يتناول “المنقوشة بزعتر” عند صخرة الروشة، براحة بال، و”الصفيحة البعلبكيّة” بين أعمدة “جوبتير”، بهناء، ومن دون وجل، واثقاً بما حقّقه خلال المفاوضات التي أفضت إلى ترسيم الحدود البحريّة، بتوقيع المقاومة، وقد جاهر السيد حسن نصرالله يومها بالقول: “نقف وراء الدولة”. وبيروت، بوجهيها المقاوم والمسالم، تنتظر عودته في شباط، الذي يمكن أن يكون “لبّاطاً” في سنة “الكبيس”، ويحمل معه ما يمكن البناء عليه لتنفيذ مواصفات “اليوم التالي” في الجنوب.

هناك زحمة موفدين من أصحاب “المهمات السريّة” يجولون في شعاب العاصمة الصعبة، يتحركون، ويعقدون إجتماعات وراء الأبواب المغلقة، لعلّ وعسى، ولكن النتيجة صفراً لغاية الآن، لأن ما يعرضونه أكبر من قدرتهم على الإلتزام بتنفيذه، وما يريدونه لا يتفق ويتوافق مع سوق العرض والطلب طالما أن بنيامين نتنياهو ماض بغروره وعربدته، غير عابىء بمحكمة العدل الدوليّة وقراراتها، وكانت ردّة فعله المزيد من الغطرسة في قطاع غزّة، والمزيد من نوبات حروب الإبادة!

يعرف أن الإدارة الأميركيّة متعاطفة مع “طموحاته التوسعيّة”، ومسهّلة لتنفيذ “بنك أهدافه”، والتنافر الإعلامي ما بين واشنطن وتل أبيب، هو من عدّة الشغل، ومقتضيات توزيع الأدوار. يقول الرئيس بايدن بـ”حل الدولتين، وضرورة قيام الدولة الفلسطينيّة”، فيرد عليه نتنياهو غاضباً شامتاً “خيّط بغير هالمسلّة… لا دولة.. ولا من يحزنون”! ورغم ذلك يستمر شهر العسل، ويحمل مستشار الأمن القومي جيك سوليفان حقيبته الدبلوماسيّة إلى بانكوك ليلتقي بوزير الخارجيّة الصيني وانغ يي، ويتمنّى عليه التوسط لدى طهران لتدوير الزوايا الحادة، ونقل رسالة بمضمون واضح “لا تريد الولايات المتحدة حرباً، ولا تأجيجاً لنارها في المنطقة، بل تفعيل القنوات الدبلوماسيّة، وتكثيف المفاوضات السريّة لبلوغ المخارج المؤاتية”.

وتسعى بكين لاستضافة مفاوضات أميركيّة ـ إيرانيّة وراء سورها العظيم، والمساهمة بتنقيح “ورقة تفاهم” طبقا للنسخة السعوديّة ـ الإيرانيّة، معدّلة، وتتماشى مع التحديات الكبرى التي حملها “طوفان الأقصى” إلى غزّة، والضفة الغربيّة، وسائر جبهات “المساندة”.

كان الرد قاسياً على ما جرى من تفاهمات في بانكوك، بإستهداف القاعدة العسكريّة الأميركيّة عند الحدود السوريّة ـ الأردنيّة. الجديد الذي أدركته واشنطن بأنه “يحمل بصمة مخابراتيّة إسرائيليّة مقنّعة”، وقد استدركت الأمر، ولم توجّه إتهامات مباشرة، بل قالت بأن الفاعل “فصائل مدعومة من طهران”، وأكد المتحدث بإسم البيت الأبيض جون كيربي “بأن واشنطن لا تسعى إلى حرب مع إيران. لقد شكّل هذا الهجوم تصعيداً، ولا تخطئوا بشأن ذلك، ويتطلّب ردّاً”.

هذا الموقف يزعج نتنياهو الذي يسعى إلى توريط الولايات المتحدة مباشرة بحرب مفتوحة. لكن من ينسحب من أفغانستان، بطريقة معيبة، لا يريد التورط بوحول الشرق الأوسط نزولاً عند رغبات اليمين الإسرائيلي المتطرّف، رغم كل الضغوط والمحاولات التي يمارسها “اللوبي” الصهيوني في سنة الإنتخابات الأميركيّة. وعند إدارة الرئيس بايدن ما يكفيها، وهي تنشط على جبهات ثلاث: الدفاع عن ثكناتها وانتشارها العسكري في كلّ من العراق وسوريا. والدفاع عن هيبتها أمام الرأي العام، بعد انحيازها الأعمى لتل أبيب، واستخدامها حق النقض “الفيتو” مرتين في مجلس الأمن الدولي لإسقاط مشروعي قرار يدعوان إلى وقف إطلاق النار في غزّة، ومعارضتها لـ153 دولة صوتت إلى جانب قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو إلى وقف حرب الإبادة، ومعارضتها محكمة العدل الدوليّة، وما صدر عنها من قرارات حول “فظائع” الإرتكابات الإسرائيليّة بغزة.

وأخيراً، وليس آخراً، مواجهتها للتحديات الخطيرة والمكلفة في البحر الأحمر، وما تتركه من ذيول وانعكاسات سلبية على حركة التجارة العالميّة.

وتحاول في الوقت عينه تنفيذ بنك أهدافها المحمول على متن بوارجها، وحاملات الطائرات المستنفرة في البحر المتوسط، وبحر العرب، والبحر الأحمر. ويندرج الجنوب كواحد من بين تلك الأهداف، وقد طرح هوكشتاين خلال زيارته الأخيرة ورقة تتضمن عناوين ثلاثة: ترسيم الحدود البريّة، قيام منطقة عازلة على طول الشريط الحدودي مع فلسطين المحتلة، جنوب الليطاني، بعهدة الجيش اللبناني وقوات (اليونيفيل). وتنفيذ مشروع إنمائي، يشمل إعادة إعمار ما تهدم من منازل، ومدارس، ومؤسسات، وإطلاق ديناميّة زراعيّة، إقتصاديّة، تنمويّة في القرى والبلدات المتضرّرة نتيجة العدوان المستمر.

ويقال في كواليس بيروت إن “ورقة هوكشتاين” حدّدت مواصفات “اليوم التالي” في الجنوب. وإن نتنياهو يضغط على الإدارة الأميركيّة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بضمانات أمنيّة موثوقة، دون التطرق إلى خريطة الطريق التي طرحها هوكشتاين في تل أبيب. وقد دخل الصيني على الخط من الجهة التي تدعم المفاوضات للتوصل إلى تفاهم حول خريطة طريق تتضمن محطات عدّة، وتنفّذ على مراحل. أمّا التنازلات فستكون متوازية متوازنة. تعهد إسرائيلي بالإنسحاب، ومعالجة النقاط ال13 الخلافيّة. وتعهد أممي بخطة أمنية يشارك فيها الجيش اللبناني بالتعاون مع قوات (اليونيفيل) بعد التفاهم على تفعيل دورها بما يحقق تنفيذ القرار 1701 بكامل مندرجاته، وتنفيذ خطة إنمائيّة بدعم عربي، وإشراف دولي. أما الضمانة لكل هذا فتكون بفتح أبواب الحوار الجاد والهادف بين الولايات المتحدة وإيران، وهذا أصبح أقرب إلى المنطق والموضوعيّة أكثر من أي عرض آخر، فالدولتان بحاجة إلى التفاهم تجنباً للمنزلقات الكبرى والمكلفة لكليهما… وإلى الصين مع أطيب التمنيات…