ماكرون يحتفل بـ”الحانوكا” اليهودي في فرنسا “العلمانية”!

| خلود شحادة |

“نرفض الحجاب”، “لا شعارات دينية”، “ممنوع إقامة لأي احتفالات وأعياد دينية”… وتطول قائمة المنع في فرنسا لكل مظاهر التديّن، زعماً من مسؤوليها أنهم بذلك يحققون “العلمانية المطلقة” في بلد الثورة.

وفي ازدواجية المعايير التي تحترفها دول الغرب عموماً، لا مشكلة في حالة “الإسلاموفوبيا”، ولكن ستجرّم بحال قلت “أنا أكره إسرائيل” قولاً فقط، بتهمة معاداة السامية!

هي “حرية الرأي” المشوّهة، التي تدّعي دول “التحضر” اعتناقها ديناً.

لكن، وصل الأمر في فرنسا، إلى ازدواجية الأفراح حتى، وجعلوا الاحتفال بالأعياد حكراً على فئة دون أخرى.

منذ سنة تقريباً، أمر القضاء الفرنسي مجلس بلدية “بيزييه” بإزالة مجسم لـ”مغارة ميلاد المسيح” من الفناء الرئيسي لمبنى البلدية، احتراماً لمبدأ علمانية المرافق العامة الذي يحظّر وجود الرموز الدينية من أي نوع كان.

كما ولم يشهد أي مرفق عام على احتفال بأي عيد، للمسيحيين أو للمسلمين.

إلّا أن “العلمانية اليهودية” في فرنسا، كشفت عن وجهها، حيث احتفل اليهود بعيد “حانوكا”، أو المعروف بعيد “الأنوار”، من داخل قصر “الإليزيه” وبرعاية وبحضور الرئيسي الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان مبتهجاً وكأنه “صاحب العيد”.

وقد ترأس حفل الإليزيه، الحاخام الأكبر لفرنسا حاييم كورسيا الذي أشعل أول شمعة.

وكان الرئيس الفرنسي قد تلقى، مساء الخميس، جائزة “اللورد جاكوبوفيتس” التي منحها له مؤتمر الحاخامات الأوروبيين، وهو منظمة يهودية مهمتها محاربة معاداة السامية والدفاع عن “الحريات الدينية” حسب ما تقول.

وما إن انتشرت صور احتفال “الحانوكا” اليهودي في قصر “الإليزيه” على مواقع التواصل، حتى انهالت الانتقادات، لأن الاحتفال نُظِّم في قصر الرئاسة ويُفترض بنزيله أن يكون الساهر الأول على مبادئ العلمانية التي تنادي بها فرنسا وتقوم عليها الجمهورية.

ويعد حانوكا من الأعياد الدينية عند اليهود، لكنه بمثابة مهرجان للفرح، إذ يجتمعون كل ليلة لتحضير المأكولات التقليدية ولهذا العيد جذر تاريخي وآخر ديني، بحسب المعتقدات اليهودية.

ففي القرن الثاني قبل الميلاد، قاد اليهود المكابيّون تمرداً على السلوقيين عام 165 ق. م. بعد محاولة الملك أنطيخوس الرابع فرض الثقافة والتقاليد الهيلينية على اليهود، وفرض عبادة آلهة الإغريق في هيكل سليمان.

ويعبر الحانوكا أحد الانتصارات في التاريخ اليهودي، عندما قامت مجموعة صغيرة في القرن الثاني قبل الميلاد استعاد هيكل سليمان في القارورة الصغيرة التي وجدوها بعد ذلك لإعادة إشعال النار الشمعدانات التي كان من المفترض أن تستمر لمدة يوم واحد، استمرت في لمدة ثمانية أيام.

ولاقى الاحتفال في قصر “الاليزيه” انتقادات كبيرة، حيث ارتفعت الأصوات المنددة بخرق “الصورة العلمانية” التي تبنتها فرنسا، وعلى إثرها توقفت فيها كل مظاهر الاحتفالات بالأعياد الدينية في المرافق والمؤسسات العامة.

كما أثار الاحتفال اليهودي الذي لم يعلن عنه الإليزيه، جدلا داخل الطبقة السياسية، خصوصاً في تيار اليسار.

حيث نددت الاشتراكية كارول ديلجا قائلة: “الإليزيه ليس مكانا للعبادة. نحن لا نتنازل عن العلمانية. هذه القواسم المشتركة ثمينة ولكن قابلة للكسر”.

وانتقدت الإعلامية خديجة بن قنة، عبر منصة “إكس”، الاحتفال ومشاركة ماكرون فيه، وكتبت: “في أحد أهمّ وأعرق معاقل العلمانية في العالم، في فرنسا.. في داخل قصر الإليزيه.. وبحضور الرئيس ماكرون، يُنظَّم احتفالٌ بعيد حانوكا أو الأنوار ..فهل سينظِّم قصرُ الإليزيه احتفالات بعيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الفصح وعيد النيروز والسنة الصينية وعيد بوذا والهندوس وأعياد كل الأديان؟”.

وفي سياسة دعم فرنسا لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، ومن ضمن ازدواجية معايير الإنسانية التي يتمتع بها الغرب، قال وزير الداخلية الفرنسي، أن “هذا العيد اليهودي الهام، في وقت يعاني فيه مواطنونا اليهود من أعمال معادية للسامية، ويتعرض فيه الحاخامات ودور العبادة اليهودية للاعتداء”.

وقد غاب عن باله، ما يعيشه مسلمو ومسيحيو غزة، وفلسطين، من معاناة واعتداءات وقتل وتخريب لدور العبادة من كنائس ومساجد، في القدس المحتلة والمدن الفلسطينية.

وعلى أبواب ميلاد المسيح، هل سيطلق ماكرون الاحتفالات بهذه المناسبة من “الإليزيه”.. أم أن “أعياد اليهود بسمنة وأعياد الآخرين بزيت؟!”.