إلى روح الإستقلال.. مع “أطيب التمنيات”!

| جورج علم |

تحلّ الذكرى وفق الموعد، لكن ليس من مواعدة، ولا موعودون، ولا واعدون…

أقفر الجبل.جدب السهل، غادر الحصّادون، وحنّت البيادر إلى مواسم البركة.

إنه تشرين، يا سيّدي الإستقلال. تأتي مفعماً برحيق لبنان الذي كان، لتجد لبنان يبحث عن عنوان. ينتظر ساعي البريد يحمل إليه رسالة من مختار مخاتير العالم تبلغه المحتوم، وما بقي له من لزوم، أو من دور على وجه العموم.

البنّاؤون رحلوا. الكبار إرتحلوا، بقي السارق عند باب المقبرة يعدّ النعوش الوافدة. والمنافق عند بوابة الوداع يحمل المناديل المبللة، ويعدّ تذاكر السفر. وطن يغادر، وشعب يهاجر لتحلّ جحافل الطارئين المتعطشين إلى مساحة حريّة، وذرّة كرامة!

سيّدي الإستقلال. وفدت متأخراً تبحث عن جبل، وموئل، ورجل. رحل الرجال، ولم يبق في الساح إلاّ الفاجر، والتاجر، والمقامر، والمغامر، والسمسار. حوّلوه إلى طاولة شطرنج، وسهم في بورصة هابطة، وحاصل رخيص في تقلبات الأسعار، وتركة عند رصيف التافهين.

وطن يديره زباينة الفساد، لا معنى له، لا دور، لا هالة، لا عزيمة، لا كرامة، لا شمخة رأس، بل إنبطاح، ونواح !

عرّى تشرين الشجرة العتيّة، الدهريّة من آخر وريقاتها!… لا يا سيّدي الإستقلال، العلّة تكمن في الجذع المتين الحصين الذي جوّفه الفراغ، وقوّضه الجشع، ولوته أعاصير الأيام المثقلة بالأحقاد والضغائن.

كانت “المارونيّة السياسيّة” هي الخلل، وعلّة العلل، لم يبق فصيل إلاّ ورجمها، ولا دخيل إلاّ وشتمها، ولا عميل إلاّ ولعنها.

وفي نظام الطوائف، كانت الطائفية وحدها. وفي زمن المذاهب، كانت المذهبيّة بحدّها. لم تكن على قدر المواصفات المطلوبة. كان المطلوب ألاّ تكون، لأن الثقافة السائدة لا تحتاج إلى أفعال التفضيل، والمنهجيّة المتّبعة لا تقبل التفعيل. والتنوّع في زمن التقوقع، يعتبر من المحرّمات.

إنقضت “المارونيّة السياسيّة”، وماذا بعد؟ ما هو البديل؟ هل هو الإنزلاق نحو الطلاق؟ أم الإنسياق لبلوغ الفراق؟

ما هو البديل؟

هل الإستقواء بالطامعين.. أم بشفار السكاكين؟ ام بفائض المنظّرين المنفعلين؟

ما البديل؟

إنتهت “المارونيّة السياسيّة”. أحيلت إلى مراكب السفر الطويل. لكن ماذا عن “السنيّة السياسيّة”؟ أين هي؟ ما دورها؟ هل أصابها ما أصاب “المارونيّة السياسيّة” من جراح نازفة، إتهامات ظالمة، أم وهنت نتيجة تقلّبات موازين القوى في المنطقة؟

وأبغض الحلال، في ما يقال عن تسوية ينادي بها المنادي، تبدأ بإنتخاب رئيس، وتنتهي بإحقاق ما تضمره بعض الكواليس.

ولكن هناك تسوية كلّفت 100 ألف قتيل، وأكثر من 200 الف جريح، وكسيح، لماذا لا يؤخذ بها، وينتخب رئيس وفق دستورها، وتملأ الفراغات في المؤسسات وفق نصوصها؟ الطائف هو تسوية. والتسوية أصبحت دستوراً. والدستور ملزم لصيانة الدولة، وتفعيل مؤسساتها، فلماذا لا يطبق؟ لماذا لا تهبّ ريحه؟ ولماذا تهبّ رياح تغييريّة، إنقلابيّة تحت مسمّيات “تسوويّة”؟

وأبغض الحلال في ما يقال بالتسويّة المطلوبة في زمن الغرائز المنفلتة، والأزمات المتناسلة، والتوازنات المختلّة. يغطّ “طائر الفينيق” في سبات عميق، لا يستطيع ركوب الرياح، جناح مهيض نتيجة “المارونيّة السياسيّة” التي أطلقت “رصاصة الرحمة” على رأسها، قبل أن يطلقها الآخرون. وجناح آخر تربكه العلل المتأصلة بفوقية جائرة، ونهج إستيعابي لا يترك للآخرين المكان الذي يليق بهم، والمكانة التي يستحقونها، فكيف تكون تسوية؟ ومع من؟ وهل المطلوب فعلاً تسوية، أو رضوخاً للأمر الواقع، والتسليم به مطلقا؟!

الوطن يمشي نحو حتفه. والشجرة الدهريّة المتجذّرة في تربة العنفوان، متّكئة في هذه الأيام الظالمة، على كتف العواصف والأقدار، نخرت جذعها جحافل الفساد، والكساد، الإنسداد، والإستبداد.

وتحلّ ذكرى الإستقلال على وطن الأقدار في زمن الإعصار الكبير الذي يضرب الشرق الأوسط، إنطلاقا من المجازر الوحشيّة الإسرائيليّة في غزّة، إلى المجازر الفتّاكة بالقيم الإنسانيّة، إلى المجازر اللاحقة بالقضايا المحقّة في العالم، إنفاذاً لشريعة الغاب، وإزدراء بشريعة العدالة، ودائما تحت شعار “الحق للقوّة .. وما من حقّ للحق”!

تأتي ذكرى الإستقلال وفق الموعد، ولكن لا موعد بعد مع لبنان المستقل عن روحه، وعن رسالته الإنسانيّة، وقيمه، ودوره الفريد ملتقى الحضارات، ومختبر الثقافات.

أضاع لبنان نفسه، قبل أن يضعه الآخرون على المشرحة بانتظار الوقت الذي يلتئم فيه شمل الجميع حول طاولة الشرق الأوسط، لتقاسم الحصص، وتوزيع المغانم.

قيل بأن علّته الأساسيّة “المارونيّة السياسيّة” فجرى تدجينها، وتقليم أظافرها بإتفاق الطائف، ثم بإتفاق الدوحة، قبل أن تصل إلى حالة النكران، كما هو حاصل الآن.

قيل بأن العلّة هي في “السنيّة السياسيّة”. لقد أخضعت إلى عمليات تدجين متتالية منذ ما بعد الطائف، مكلفة، وباهظة التضحيات منذ 14 شباط 2005، ولغاية الآن. وقيل بأن علّة لبنان حاليّاً هي أمّ العلل كلها، نظام متفلّت. دستور متفلّت، وسلاح متفلّت، وأرض سائبة، وأبواب مشرّعة أمام كل نازح، وطارىء.

هناك فوقيّة. ونبرة عاليّة، وخلفيّة طامحة، ونزعة إحتوائيّة إستئثاريّة، لكن هناك زائر يأتي من وراء الحدود، بين الفينة والأخرى، ليملي الشروط والتعليمات. وهناك سفيرة تتحرّك من داخل الحدود، كلما استدعت الحاجة، تطوف على بقايا دولة ومؤسسات، تملي، وتوجّه، وتأمر بأخذ لبنان حيث هي تريد نيابة عن الذين إنتدبوها للعب هذا الدور.

المحزن، والمقلق أن الإستقلال يأتي هذا العام مفعماً برحيق لبنان الذي كان، في وقت أصبح فيه لبنان من دون عنوان!