كازاخستان بين تعنّت الحكومة والبركان الشعبي

كازاخستان الدولة الأكبر غير الساحلية في العالم، وتاسع أكبر دولة من حيث المساحة، على الرغم من أن عدد سكانها لا يتجاوز 19 مليون نسمة، والغنية بالنفط في آسيا الوسطى، تشهد اضطرابات شديدة، وموجة احتجاجات بدأت بمطالب اقتصادية وتحولت لاحقا لاشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن بعدد من المدن.

خرج آلاف المحتجين الغاضبين إلى شوارع كازاخستان في الأيام الأخيرة، لأسباب عدة، إلا أن الأزمة الحاصلة تُعد الأكبر التي تهز الدولة منذ عقود، وتمثل الأحداث تحديًا صارخًا للرئيس قاسم جومارت توكاييف بعد أقل من ثلاث سنوات من حكمه.

كانت ردود فعل المواطنين قوية حيث أظهر مقطع فيديو نُشر على الإنترنت أشخاصًا يقتحمون المبنى الحكومي الرئيسي في ألماتي، والتي تُعتبر أكبر مدينة في البلاد، بينما أشعل المتظاهرون النار في سيارات الشرطة، وكذلك في الفرع الإقليمي لحزب نور أوتان الحاكم.

والسبب الرئيسي للاحتجاجات التي اندلعت هي الغضب من ارتفاع أسعار الوقود، ولكنها لم تقتصر على هذا السبب بل تكثفت لتصبح شيئًا أكثر أهمية وقابلية للاشتعال، أي استياء واسع النطاق من الحكومة وانتقاد حاد للفساد المستشري الذي أدى إلى تركز الثروة داخل نخبة سياسية واقتصادية صغيرة.

بالعودة إلى الأسباب التي أدت لما تشهده البلد حاليا من غليان في الساحات، وتوتر أمني أثر على كافة الصعد في البلد، بدأت المسيرة عندما رفعت الحكومة الحدود القصوى لأسعار غاز البترول المسال، وهو وقود منخفض الكربون يستخدمه العديد من الكازاخستانيين لتشغيل سياراتهم.

أما في عمق الأسباب فإن هناك جذوراً عميقة أكثر، بما في ذلك الغضب من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، والتي تفاقمت بسبب تفشي الوباء بكل متحوراته، والذي بات الشغل الشاغل لوزارة الصحة واحتل المكان الأكثر شيوعا بكافة البلدان، علما أن متوسط الراتب في كازاخستان يعادل 570 دولارًا شهريًا، وفقًا لإحصاءات الحكومة، بالإشارة الى أن الكثير منهم يتقاضى أقل بكثير.

فالمسيرة أُكملت واتسع نطاق مطالب المتظاهرين من المطالبة بخفض أسعار الوقود لتشمل تحررًا سياسيًا أوسع، فالسعي بات واضحا لانتخابات مباشرة في الدولة، وتبديلا للنظام الحالي من قبل رئيس البلاد.

وما من فعل إلا وله ردة الفعل، فما يقوم به المواطنون الكازاخستانيون أوجب الرد من الحكومة، اتخذت إجراءات وتدابير أمنية تناسب مصلحة الدولة وسياستها، وأعلنت حالة الطوارئ  لقمع التظاهرات، ومواقع التواصل الاجتماعي حُظرت كلها من “فايسبوك” و “واتساب” و “تليغرام” وصولا الى التطبيق الصيني “وي شات”، مع تبرير من الحكومة أن الاحتجاجات العامة من دون تصاريح هي أساساً غير قانونية.

حاولت الدولة تجنب الكارثة الأكبر وهي توسع نطاق “الانقلاب” عبر احتواء الغضب الشعبي ببعض القرارات تجلّت بإقالة الحكومة وإعلان محتمل لحل مجلس النواب، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتخابات جديدة، ولكنها لم تستطع تهدئة البركان الثائر الواضح في شوارعها، فالمشهد الصامد ما عبّر إلا عن فشل الحكومة لا أكثر ولا أقل.

الحال بات يتشابه في كافة البلدان، ويعبر من قارة إلى الأخرى، من وضع اقتصادي مرير، إلى ثورة تتفجر بين ليلة وضحاها، أسبابها كثيرة ومحفزاتها أكثر، فالسياسة ترتدي ثوب النقاء في كل بلد وتبث سمومها من الدولة الأكثر نفوذا الى الأقل.