كيف يحافظ الموارنة على دورهم اللبناني؟

/ مرسال الترس /

إشكالية كبيرة، وهوة واسعة بين موارنة الاستقلال ومن سبقهم، وبين موارنة اليوم الذين فرّطوا بسهولة بكل ما بناه الأباء والأجداد من جسور بين المكونات التي شكلت ثلاثية ركائز قيام دولة الاستقلال.

فالموارنة، ومعهم الأفرقاء المسيحيين الآخرين الذين أسندت إليهم المراكز الأولى في التركيبة الاستقلالية، واعتبروا فيها أنفسهم “أم الصبي”، ونسبوا الى أنفسهم “المجد” الذي أُعطي للوطن الوليد، فبات الشعار رمزاً لبطريركيتهم، كانت لهم الفطنة والدراية ليبتعدوا عن الخلافات القاتلة، وليشكلوا صلة الوصل المحورية بين مكونين اساسيين في الوطن، وهما المذهبين السني والشيعي في الطائفة الإسلامية، فلعبوا دور ميزان الذهب الذي لا يخطئ حتى بأدق التفاصيل.

وبرز الدور الماروني في ممارسة اللعبة الديمقراطية بأبهى وجوهها، حتى عندما أقدم مثلاً رئيس الجمهورية كميل شمعون في التقدم بـ”دعسة ناقصة” تجاه حلف بغداد، كان أول المتصدين له البطريرك بولس المعوشي الذي حمل لقب “بطريرك العروبة”، حيث كان ممنوعاً تخطي السقوف المرسومة، ليبقى لبنان النموذج بين أقرانه في جامعة الدول العربية. ولذلك كان أي خلاف بالسياسة يبقى ضمن هذا الإطار، ولم يفكر أحد بتخطيه، مهما اشتدت الصراعات.

بعد بداية الحرب في العام 1975 (الذي يعتبر عام التحول الجوهري)، بات كل شيء مباحاً ومستباحاً، ولاسيما بعد دخول العامل الاسرائيلي مباشرة على خط التدمير الممنهج للفكرة اللبنانية التي اندمج فيها بعض قادة الموارنة، على خلفية انه سيكون طريق الخلاص مما فرضه الفلسطيني من مفهوم خاطئ في التعامل مع الساحة اللبنانية. واستطراداً اندفع اولئك الموارنة الى إحداث الشرخ الدموي الكبير داخل الطائفة، الأمر الذي أفقدها رويداً رويداً، ومعركة بعد أخرى، المهمة التي أنيطت بهم، ليكتمل “نقل” الصراعات الدموية بـ”زعرور” الطائف الذي استطاع تهميش دورهم وسحب الثقة منهم مع الطوائف والمذاهب الأخرى، ليتحولوا الى عناصر تابعة في هذا الإتجاه أو ذاك لكي يستطيعوا الحفاظ على بعض المكتسبات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الوصول الى قصر بعبدا.

بات واضحاً أن بعض القوى المؤثرة في الطائفة، قامت وتقوم بأدوار لإعادة اللحمة الى هيكل الطائفة، إلا أن الحقد المتمكن في العناصر الأخرى، يحول دون ان تتمكن إحدى الطوائف المؤسسة للوطن أن تستعيد بعضاً من دورها الذي رسمه بناة الوطن وحافظوا عليه بكل جوارحهم. وهذا بالتأكيد ما يعرقل عودة لبنان الرائد في المجالات المختلفة، بعكس بعض الدول العربية، والخليجية تحديداً، التي عرفت كيف تستفيد من ثرواتها.

هل يستطيع لبنان، “الماروني” حصراً، والمسيحي بشكل عام، أن يستعيد دوره كـ “منظّم” (regulateur) مع المكونات التي تحيط به، أم سيخسر تدريجياً هذا المنصب الوحيد المتبقي بين يديه (رئاسة الجمهورية) التي باتت فترات الفراغ فيها توازي فترات الحكم “الصُّوَري” المنوط بها؟

لذلك وسواه، على الموارنة مهما بلغت التباينات في افكارهم السياسية، ان يجهدوا في إيجاد صيغة تنسيقية بينهم (فلنقل شعرة معاوية)، تُعتبر السقف الذي لا يجب على أحد، مهما علا شأنه، ان يتخطاه، وذلك من أجل الحفاظ على وطن لن يجدوا بديلاً يماثله على الكرة الأرضية، أو ينافسه في دور لعبه بإتقان في ما مضى على أيدي نخبة علّها تتكررّ.