تدخل المنطقة مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات الانتخابية الأميركية مع الاستعدادات العسكرية واحتمالات استئناف المواجهة مع إيران، فيما تبقى المساعي الدبلوماسية عاجزة حتى الآن عن انتزاع تفاهم يضمن احتواء التصعيد. وبينما تتجه الأنظار إلى نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، لا يقتصر الترقّب على ما ستفرزه صناديق الاقتراع من انعكاسات على إدارة الرئيس دونالد ترامب، بل يمتد إلى طبيعة القرارات التي قد تتخذها واشنطن في المرحلة التالية، وخصوصاً في ما يتعلق بإيران والجبهات المرتبطة بها.
وتجري الانتخابات في توقيت بالغ الحساسية، بعدما تحوّلت الحرب المحتملة مع إيران إلى عامل حاضر في الحسابات السياسية الأميركية، سواء لجهة كلفتها العسكرية والاقتصادية، أو تداعياتها على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة. ومع أن نتائج الانتخابات قد تؤثر في هامش حركة الإدارة الأميركية وأولوياتها الداخلية، فإنها لا تعني بالضرورة تبدّلاً فورياً في مقاربتها للملفات الخارجية، ولا سيما أن القرار التنفيذي في السياسة الخارجية والعمليات العسكرية يبقى بيد الرئيس دونالد ترامب، وإن كانت موازين الكونغرس قادرة على التأثير في البيئة السياسية والمالية المحيطة به.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات ترامب المتناقضة بشأن إيران، بالتزامن مع استمرار الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، جزءاً من مشهد تتداخل فيه الضغوط التفاوضية مع إبقاء الخيار العسكري قائماً. فواشنطن لم تغلق باب التفاوض، فيما لم تتراجع عن تعزيز قدراتها العسكرية، وهو ما يعكس رغبتها في الاحتفاظ بأوراق الضغط، وربما تحسين شروط أي تفاهم محتمل قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة.
وتتحرك الدبلوماسية القطرية والباكستانية على خط واشنطن ـ طهران، مع اتساع الاتصالات لتشمل أطرافاً دولية، بينها الصين وروسيا، في محاولة لمنع تجدد الحرب وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات. لكن تعثر جولة الدوحة، وعدم التوصل إلى تفاهمات تضمن وقف التصعيد، يكشفان أن المسافة لا تزال بعيدة بين المطالب الأميركية والإيرانية، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالبرنامج النووي والعقوبات وأمن الملاحة في مضيق هرمز. كما أن استمرار التحشيد العسكري بالتوازي مع الاتصالات السياسية يجعل المفاوضات محكومة بميزان القوة والتهديد، أكثر مما يجعلها مساراً مستقلاً عن احتمالات المواجهة.
وتزداد أهمية الأيام المقبلة في ضوء التقارير عن تعزيز الوجود العسكري الأميركي في كيان الاحتلال الإسرائيلي، بما يشمل طائرات للتزوّد بالوقود جواً وطائرات نقل عسكري ثقيل، إلى جانب الحديث عن نقل تجهيزات ومنظومات دفاع جوي وصاروخي. وهذه التحركات، وإن كان جزء منها مرتبطاً بتعزيز الدفاعات الإسرائيلية تحسباً لأي رد إيراني، فإنها تؤكد أن الاستعدادات لا تقتصر على احتمال احتواء الضربات، بل تشمل أيضاً توفير الدعم اللوجستي والعسكري اللازم لأي تطورات ميدانية.
لكن لبنان هو المعني الأكثر مباشرة بتداعيات هذه الحسابات، نظراً إلى هشاشة وضعه الداخلي واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه، بصرف النظر عن مصير المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. فـ”إسرائيل” لم توقف عمليات القصف والتفجير والتجريف والتهديم في الجنوب، ولا تزال تلوّح بتوسيع عملياتها العسكرية، فيما تشير تقديراتها الأمنية، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، إلى احتمال انخراط “حزب الله” في أي مواجهة جديدة مع إيران، عبر استهداف مواقع داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي أو القوات الإسرائيلية التي تحتل الأراضي اللبنانية.
وتكتسب هذه التقديرات خطورتها من أنها لا تتحدث فقط عن ردود عسكرية متبادلة على الحدود، بل عن احتمال توسيع نطاق العمليات الإسرائيلية ليشمل مناطق لبنانية بعيدة عن خط المواجهة المباشر. فقد تناولت التقارير الإسرائيلية سيناريوهات لاستهداف البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت وبنى تحتية تابعة للدولة، فضلاً عن تحركات لتعزيز قوات الاحتياط على الجبهة الشمالية ورفع مستوى الجهوزية العسكرية.
وشهدت القواعد الجوية والمطارات الإسرائيلية تحركات لوجستية أميركية واسعة، وسط تقارير استخباراتية عن عن انتشار أكثر من 3 الاف ضابط وعسكري و 80 طائرة للتزود بالوقود جوًا داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي، بالتزامن مع وصول طائرات نقل عسكري ثقيل.
ورصدت أجهزة الرادار هبوط ما لا يقل عن عشر طائرات نقل عسكري ثقيل من طراز “سي 17” في قاعدتي عوفدا ونيفاتيم في النقب تضم وحدات متخصصة في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي. ورجّحت مصادر غربية مطلعة أن تكون هذه الطائرات محمّلة بمعدات دعم أو منظومات دفاع جوي، من بينها “ثاد” و”باتريوت”، بهدف تعزيز حماية المنشآت الحيوية.
وذهبت بعض التسريبات إلى الحديث عن عمليات برية أوسع قد تطال مدناً رئيسية في الجنوب، وعن فرض حصار بحري على المرافئ اللبنانية.
ومهما يكن من دقة هذه التسريبات، أو ما إذا كانت تعكس خططاً عملياتية فعلية أم جزءاً من الضغط النفسي والسياسي، فإن تكرارها بالتزامن مع الحراك العسكري الإسرائيلي يستدعي التعامل معها بجدية، خصوصاً أن الرسائل التحذيرية التي وصلت إلى بيروت، مباشرة أو عبر قنوات دبلوماسية، تتحدث عن احتمال توسيع المنطقة التي تحتلها “إسرائيل” إذا عاد “حزب الله” إلى الانخراط في حرب إسناد لإيران.
وتكمن المشكلة اللبنانية في أن هامش المناورة أمام الدولة يبدو محدوداً. فهي تتلقى تحذيرات من مخاطر توسّع الحرب، وتتابع الاتصالات الجارية بين واشنطن وطهران، لكنها لا تملك وحدها القدرة على ضمان تحييد لبنان عن أي مواجهة إقليمية.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن “إسرائيل” تواصل تنفيذ عملياتها العسكرية والضغط على لبنان حتى في غياب حرب جديدة مع إيران، ما يعني أن الخطر لا يرتبط حصراً بقرار الحزب المشاركة في مواجهة إقليمية. فالتلويح بتوسيع العمليات، واستمرار استهداف المناطق اللبنانية، ومحاولة فرض وقائع ميدانية جديدة، تشكّل مساراً قائماً بذاته، قد تستثمر “إسرائيل” أي تطور إقليمي لتسريعه وتوسيع نطاقه.
وتتداخل هذه المعادلة مع التعقيدات السياسية الإسرائيلية، في ظل استمرار التجاذب حول تشكيل الحكومة المقبلة، وما يرافقه من غموض في تحديد طبيعة القرار السياسي الذي ستتخذه تل أبيب. غير أن غياب حكومة مكتملة الصلاحيات لا يعني بالضرورة تجميد العمليات العسكرية، ولا سيما أن الحكومة الحالية، برئاسة بنيامين نتنياهو، تواصل إدارة المرحلة، فيما تبقى المؤسسة العسكرية والأمنية في حالة استعداد لمختلف السيناريوهات.
وبالنسبة إلى بيروت، فإن انتظار نتائج الانتخابات الأميركية لا ينفصل عن انتظار اتضاح الموقف الإسرائيلي وخريطة الطريق التي ستعتمدها واشنطن في المرحلة التالية. فالتغيير في موازين الكونغرس قد ينعكس على المناخ السياسي الأميركي، لكنه لا يكفي وحده لتحديد مصير المواجهة مع إيران أو مستوى الدعم الذي ستقدمه الولايات المتحدة لـ”إسرائيل”. والأهم أن أي قرار أميركي بشأن الحرب أو التفاوض ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان، سواء عبر اتساع المواجهة أو عبر منح “إسرائيل” هامشاً أكبر لمواصلة عملياتها العسكرية.
وهكذا، يجد لبنان نفسه أمام مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي لم تتضح بعد فرص نجاحه في منع تجدد الحرب، ومسار عسكري إسرائيلي يتقدم على الأرض ولا ينتظر بالضرورة حسم المفاوضات. وبينهما، تبقى مسألة تحييد لبنان مرتبطة بمدى استعداد الأطراف المعنية للفصل بين الجبهة اللبنانية والصراع الأميركي ـ الإيراني، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن “إسرائيل” لا تتعامل مع هذا الفصل باعتباره أمراً مسلّماً به.


