قبل أن يبدأ اللبنانيون فعلياً بإخراج المدافئ من مستودعاتها، وقبل أن تمتلئ خزانات المنازل بالمازوت استعداداً للشاتاء، تأتي أسعار المحروقات لتضع الشتاء مبكراً على جدول الحسابات الصعبة. فصفيحة المازوت تتجه، وفق ما أعلن نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس، إلى تجاوز حاجز الـ30 دولاراً يوم الجمعة، في ارتفاع يعكس تداعيات التصعيد العسكري في الخليج والبحر الأحمر، إلى جانب الحرب الروسية-الأوكرانية وما تسببه من ضغوط على أسواق النفط والإمدادات العالمية.
حروب عالمية، وأزمات اقليمية، يدفع ثمنها المواطن الفقير من جيبه، في دولة لا خطط طوارئ لديها، ولا نظام دعم وإعالة في الظروف الصعبة.
تسعيرة جديدة قد تبدو مجرد رقم جديد في جدول المحروقات، لكن بالنسبة إلى العائلات اللبنانية، وخصوصاً تلك التي تعتمد على المازوت للتدفئة، فإن تداعياته تتجاوز بكثير كلفة تعبئة خزان أو شراء بضع صفائح.
وفي موسم تبدأ فيه الأسر عادةً بتأمين “مونة الشتاء”، وفي مقدمها المازوت، في محاولة لتجنب مفاجآت الأسعار خلال أشهر البرد. لكن هذا العام، تبدو مهمة التموين أكثر صعوبة، بعدما باتت كلفة التدفئة بنداً ثقيلاً في موازنة الأسرة قبل أن يبدأ الشتاء أصلاً.
وتأتي الزيادة في وقت كانت فيه أسعار المازوت قد ارتفعت تدريجياً خلال الأشهر الماضية. ففي 14 آب الماضي، بلغ سعر صفيحة المازوت 2,367,000 ليرة، بزيادة 19 ألف ليرة عن السعر السابق، فيما أظهرت جداول لاحقة استمرار المسار التصاعدي بالتوازي مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
المشكلة أن المازوت في لبنان لا يرتبط بالتدفئة فقط. فارتفاعه يعني كلفة إضافية على النقل، وعلى تشغيل المولدات والمنشآت التي تعتمد على الديزل، وعلى حركة توزيع البضائع والسلع.
ومع ارتفاع كلفة النقل والتشغيل، يصبح من الصعب عزل أثر المحروقات عن أسعار المواد الغذائية والخدمات وفواتير مولدات الإشتراك، وسائر تفاصيل الحياة اليومية.
وبالتالي، فإن صفيحة المازوت لا تبقى صفيحة مازوت، بل يمكن أن تتحول إلى سلسلة من الزيادات التي تصل في نهايتها إلى جيب المواطن، ومما لا شك فيه أن ارتفاع سعر المازوت سيترافق أيضاً مع ارتفاع سعر البنزين.
لكن التوقيت هو الجانب الأكثر حساسية في المشهد. ففي أيلول، تبدأ الكثير من العائلات، ولا سيما في المناطق الجبلية والداخلية، التفكير جدياً بالشتاء وتأمين حاجاتها من الوقود. وكل ارتفاع جديد يعني أن الكمية نفسها التي كانت الأسرة تخطط لشرائها ستحتاج إلى ميزانية أكبر، أو أن الميزانية نفسها ستشتري كمية أقل.
والتجارب السابقة تظهر إلى أي حد يمكن أن تدفع أسعار المازوت المرتفعة العائلات إلى البحث عن بدائل. ففي مواسم سابقة، لجأت أسر إلى الحطب أو الغاز أو وسائل تدفئة أخرى بحثاً عن كلفة أقل، بينما بقيت هذه البدائل نفسها مرتبطة بأسعار متغيرة وبقدرة كل منزل على اعتمادها. وفي بعض المناطق، أدى ارتفاع كلفة المازوت إلى تأخير التموين أو شراء كميات صغيرة على دفعات بدلاً من تأمين حاجة الموسم دفعة واحدة.
وفي السياق، أظهرت بيانات لـ”اليونيسف” بعد الحرب أن 22% من الأسر التي شملها تقييم في لبنان لم يكن لديها مصدر للتدفئة في الشتاء، فيما اضطرت نسبة كبيرة من الأسر إلى خفض الإنفاق على الصحة والتعليم لتأمين الاحتياجات الأساسية.
وبالتالي، فإن ارتفاع المازوت في هذه المرحلة، بل يفتح أسئلة أوسع حول قدرة العائلات على عبور الشتاء. كم ستحتاج الأسرة لتدفئة منزلها؟ وكم ستضطر إلى اقتطاعه من الغذاء أو التعليم أو الصحة لتأمين الوقود؟ وماذا عن العائلات التي لا تملك أصلاً هامشاً مالياً يسمح لها بالتموين المسبق؟
وفي بلد اعتاد فيه المواطن أن يدفع ثمن الأزمات المحلية والعالمية من دخله المباشر، بات اليوم في مهب الريح.


