| رنا الساحلي |
سنتان مرّتا…
في مثل هذا اليوم، كان يوم عمل مليئاً بالاتصالات والمتابعات… وكانت كرة الحرب تقترب أكثر.
أصيب الحاج محمد عفيف بزكام جعله متعب الجسد. اضطر إلى حضور إحدى الجلسات، وحضر قليلاً إلى العمل، لكن المرض جعله يعود إلى المنزل لينام قليلاً.
كنا قد بدأنا حالة الاحتياط التي قد تداهم عملنا، فالساحة الإعلامية لا يمكن أن نتركها للفراغ. وكلمة الحق والحقيقة لا بد أن تسمو فوق كل اعتبار، ولو كنا متعبين أو منهكين.
كنا نحضّر لندوة إعلامية عامة. اضطررت إلى الخروج في جلسة أولية لتحضير هذه الندوة، ثم عدت إلى العمل.
كانت أجهزة البيجر جاهزة.
ربما كان ذلك هو القدر الذي أخطأ معي لدقائق معدودة…
اتصال خارجي أوقف خطواتي، ومنعني من حملها بين يديّ.
صوت يشبه انطلاق رصاصة من سلاح، بل أقوى.
حضر الشهيد موسى متسائلاً عن مصدر الصوت. أجبته بأنني سمعته بوضوح.
ترى، ما هذا؟!
كيف لغرفة أن تتحول أوراقها إلى فتات، والكرسي الأسود يحترق نصفه، فيما الحائط مشظّى، وفي نصفه حفرة بلون أسود قاتم؟!
ما الذي انفجر في الغرفة حتى باتت الأوراق ملتصقة بسقفها؟
ماس كهربائي؟ انفجار صغير؟!
ذهول خيّم على المكان.
توجهت مسرعة نحو الهاتف. اتصلت بأحد الإخوة، فوجدته منهمكاً مرتبكاً.
ما الذي حصل؟!
ثوانٍ معدودة…
قلت له: شيء ما انفجر!
البيجر!!!
نعم، إنها البيجر.
هل حصل لأحد شيء؟
لا، الحمد لله…
صوت صراخ في المبنى.
استمهلته قليلاً لأستوضح عن مصدر الصوت.
خمس شباب أصيبوا بجراح خطيرة.
يا لهذا المشهد!
رأيتهم يحملون أعينهم بأكفّهم المقطوعة، وآخر إلى جانبه الأيمن وقد ظهر ما في داخله…
ما الذي يحصل؟!
اتصلت مباشرة بالحاج محمد:
أأنت بخير؟
كان صوته، من شدة المرض، مبحوحاً يكاد لا يُسمع من تعبه. ظن أنني أطمئن إلى حالته المرضية.
قلت له: البيجر يا حاج! ابتعد عنها!
قال إنها في الحقيبة، وإنه سيزيلها من هناك.
قلت له: اتركها! لا حاجة لك بها الآن. فقط ابتعد عنها.
كل ذلك جرى خلال ثوانٍ معدودة، لتنهال الاتصالات مستفسرة عن الحدث.
أحقاً هناك من يطلق النار على الناس؟!
أحقاً توجد عائلات تتشاجر في ما بينها بالسلاح؟!
أحقاً هناك إرهابي يطلق النار من سلاحه على كل من يصادفه؟!
لا… لا. كل هذه الأمور ليست حقيقية. فلننتظر لنعرف ما حصل.
وفعلاً، لم يتأخر الجواب كثيراً، لأن الحزب لم يكذب على أهله وناسه.
نعم، “إسرائيل” المجرمة فجّرت أجهزة البيجر التي كانت في أيدي الناس، في واحدة من أبشع الجرائم.
فجّرتها في لحظة واحدة، مستهدفة أكبر عدد ممكن من الشباب.
لكن في علم الحروب، لا يمكن لهذه الجريمة أن يكون لها سوى توصيف واحد: جريمة حرب.
لم يراعِ الكيان في هذه الجريمة أن أجهزة البيجر هي وسيلة للنداءات الإنسانية، وأنها قد تكون في يد طفل، أو طبيب، أو مسعف…
كان يريد انتصاراً وهمياً جديداً.
في معركة العقول، قد يسمّى هذا انتصاراً يُسجّل له، لكنه انتصار بلا أي قيمة إنسانية. بل هو انتصار وحشي لا يمتّ إلى الإنسان والبشرية بصلة.
حتى في عالم الحيوانات، ترى أن هناك رادعاً ما قد يتوقف عنده الحيوان المفترس المتوحش.
لكن في معايير الكيان، كل قتل للإنسان هو انتصار، وكل تدمير للبشر والحجر هو هدم للتاريخ ومحاولة لإزالة كل حضارة.
في ذاك اليوم، “إسرائيل” سقطت، كما سقطت في الثمانينيات في خلدة، وفي التسعينيات في قانا ومجزرة المنصوري، وفي ذلك الكيان الذي سقط عام 2000.
سنتان مرّتا على جريمة الكون.
ورغم كل الجراح والندوب التي بقيت، والأعين التي ذابت على وجوه كانت أجمل من كل الإنسانية…
تلك الأيادي بقيت، وإن تغيّرت ملامحها وأشكالها.
عادت بعد أن تعافت، وحوّلت اليأس إلى سلاح يزغرد في سماء الجنوب. صمدت، وقفت، واجهت، وأوجعت.
لم يكن للوجع إلا بعض الوقت، ليعود بعدها كل معنى للمقاومة والإصرار.
البعض، من شدّة حبّه، ذاب عشقاً في الأرض… وبقي هناك، بات مفقود الأثر.
أما فتيتنا الذين أصيبوا، فقد باتت أوجاعهم وكل أثر في وجوههم مفتاحاً للعودة والمقاومة والصمود.
هؤلاء باتوا يعلمون أكثر معنى أن تصمد وتقاوم في وجه ذلك العدو الغاصب.
ولكل سيدة غيّرت تلك الآلة الصغيرة حياتها باتجاه آخر…
نعم، لقد أصبح للتهديد الذي عشتنه فرصة جديدة، إذ حوّلتن الحزن والألم إلى انتصار وثبات ومواجهة.
أيقنتن أن البصيرة أخذتكم في دروب أشدّ تعرّجاً، لتكونوا أقوياء أكثر.
سنتان مرّتا…
والتعافي يزداد شعلة مضيئة، وجهها يحرق الجلاد.
وحدكم، بجراحكم، بندوبكم، بكل صرخة “آه”… كنتم الصدق الذي تحمله رسالتنا.


