الجمعة, يناير 2, 2026
Home Blog Page 89

“إسرائيل” تَحشد للحرب على إيران: ثلاثة خيارات في جعبة نتنياهو

| يحيى دبوق |

تحشد إسرائيل للحرب على إيران عبر ثلاثة سيناريوات محتملة، في وقت يسعى فيه نتنياهو لانتزاع ضوء أخضر أميركي يعيد رسم قواعد الاشتباك الإقليمية.

لم تَعُد إرهاصات الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى الولايات المتحدة، في الـ29 من الجاري، مقتصرة على التخطيط أو التنسيق اللوجستي، بل دخلت فعليّاً مرحلة التفاوض المكثّف على مستوى المواقف الاستراتيجية والنتائج.

وفي هذا الجانب، تحدّثت مجموعة تقارير في وسائل الإعلام العبرية عن الملفّات المطروحة على جدول أعمال الزيارة، ومن ضمنها: شروط الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة، خصوصاً في ما يتعلق بوجود القوات الدولية في القطاع – والذي تقرنه إسرائيل بضمانات أمنية ملزمة -؛ الموقف من استمرار الغارات في سوريا؛ التقديرات حول التهديد الإيراني، والتي وصلت إلى حدّ استعراض طرق العمل العسكري المُقترحة من الجانب الإسرائيلي؛ فضلاً عن تحديد سقوف التدخّل في لبنان بما يتوافق مع المحدّدات الأميركية المسموحة، وإمكانات التصعيد فيه.

وتستهدف تلك التقارير، بوضوح، رسم صورة متكاملة للتهديدات من وجهة نظر إسرائيل، وتحديد ما تراه الأخيرة «خطّاً أحمرَ»، وما لا يمكنها «التساهل» حياله أو تجاوزه. ومن بين مظاهر هذه «المقاربة التفاوضية العلنية» أيضاً، مواقفُ صدرت مباشرةً على لسان كبار المسؤولين الإسرائيليين، لعلّ أكثرها دلالةً تهديد رئيس الأركان، إيال زامير، إيران بشكل مباشر في حال تجاوزت «الخطوط الحمر»، في إشارة إلى تزايد وتيرة صناعة الصواريخ والطائرات المُسيّرة. وتساوقت تصريحات زامير مع سيل من التسريبات المنسوبة إلى مسؤولين في الأجهزة الأمنية أو في مكتب رئيس الحكومة ووزارة الخارجية، والتي يؤشّر تزامنها إلى كون نشرها مقصوداً وموجّهاً، بهدف إيصال رسالة إلى الطرف الأميركي قبل الدخول في محادثات الغرف المُغلقة.

في المقابل، أطلق مسؤولون أميركيون، من بينهم مقرّبون من فريق الرئيس دونالد ترامب، تصريحات تشير إلى أولوية المضيّ قُدماً في خطّة إعادة إعمار غزة، وضرورة مشاركة دول من مثل تركيا وقطر فيها، وربط أيّ دعم أميركي في ملفات أخرى من مثل إيران أو سوريا، بتحقيق تقدُّم ملموس في القطاع. وفي حين أشار ترامب إلى أن طلب الزيارة جاء من نتنياهو، وأن تفاصيلها لم تُحسم بعد، فقد حملت تلك التصريحات رسالة ضمنية بضرورة المضيّ في الملفّات العالقة بما يتوافق مع الرؤية الأميركية، حتى قبل موعد الزيارة نفسها.

والواقع أن النقاشات بين الجانبَين تدور على ثلاثة مستويات متوازية: الاجتماعات الفنية بين ممثّلي الأجهزة الأمنية والدبلوماسية؛ التسريبات المنسوبة إلى مصادر في كلا الجانبَين؛ والتحرّكات الميدانية التي يتصدّرها رفع وتيرة الاعتداءات في سوريا بهدف تظهير التفوّق في هذه الساحة؛ وتعزيز تدفّق المعلومات الاستخبارية حول إيران. ويؤكّد التزامن بين كلّ تلك الديناميات، أن الطرفين يدركان أن نتائج اللقاء في فلوريدا يجب أن تتبلور، قبل أن يصعد نتنياهو إلى الطائرة متوجّهاً إلى أميركا.

وفي اليومَين الماضيَين، برز في الخطاب الأمني والإعلامي الإسرائيلي، تركيز استثنائي على إيران، لم يَعُد يقتصر على التحذير من استئناف الأخيرة نشاطها النووي، بل انتقل إلى الحديث الصريح عن حرب مقبلة حتمية. لا بل إن بعض التقارير تحدّثت عن أن «الساعة تدقّ»، وأن «الحرب المقبلة قد كُتبت فصولها بالفعل»، مع الإشارة إلى التحضير العملي لدى الجيش الإسرائيلي لذلك: من إعادة بناء بنك الأهداف، وبلورة سيناريوات متعدّدة، وصولاً إلى اعتماد مبدأ الهجوم باعتباره الوسيلة الأنجع للحماية، في ظلّ «سيادة» الرأي القائل إن «إسرائيل تبْرع في الهجوم، أكثر منها في الدفاع».

وفي هذا الإطار، يدور الحديث عن ثلاثة سيناريوات عملية: هجوم إسرائيلي منفرد، أو عملية مشتركة مع الولايات المتحدة، أو ضربة أميركية بالكامل، على غرار الغارة الأخيرة في سوريا ضدّ «داعش». ووفقاً للمصادر العبرية، فإن القرار النهائي مرتبط بنتيجة زيارة نتنياهو لفلوريدا، حيث يُتوقّع أن يطلب الأخير «الضوء الأخضر» من ترامب لشنّ العملية، وربّما يسعى إلى إشراك الجيش الأميركي فيها. وبحسب التسريبات، فإن نتنياهو سيؤكّد أمام ترامب أن إيران لم تَعُد تكتفي ببناء عناصر التهديد، بل دخلت مرحلة «الاختبارات الميدانية»، بما يشمل تغييرات في أماكن إطلاق الطائرات المُسيّرة، وتجريب أنظمة رادار ودفاع جوي جديدة، وتنقّلات غير مألوفة لوحدات «الحرس الثوري»، تمّ رصدها وتأكيدها استخباريّاً، وهو ما تعاملت معه إسرائيل بوصفه جرس إنذار في غرف القيادة العسكرية الإسرائيلية.

على أن اللافت أن هذا النوع من التصريحات لم يعُد مقتصراً على الدوائر السياسية، بل تحوّل إلى خطاب عسكري مباشر؛ إذ أكّد رئيس الأركان، إيال زامير، أن «ذراع الجيش طويلة»، وأنه «سيضرب حيث يُطلب إليه ذلك، في الجبهات القريبة والبعيدة»، مشيراً إلى أن «الحرب الطويلة في تاريخ إسرائيل تدور في جوهرها حول إيران».

كذلك، كشف تقرير آخر أن زامير ناقش مع قائد «سنتكوم»، براد كوبر، مخاوف جدّية من أن التدريبات الإيرانية الأخيرة قد تكون غطاء لعملية هجومية. وعلى الرغم من أن الاستخبارات الأميركية لا ترى – حتى اللحظة – مؤشرات إلى هجوم وشيك، إلّا أن المصادر الإسرائيلية تصرّ على أن «احتمال التصعيد لم يعُد أقل من 50%»، وفقاً للتسريبات المنشورة في صحيفة «معاريف»، أمس، مع التشديد على أن الهدف لم يَعُد احتواء إيران، بل «إعادة ترتيب موازين القوّة في المنطقة، قبل فوات الأوان».

وأيّاً يكن، فالأكيد أن زيارة نتنياهو لا تخدم التنسيق بين الجانبَين في ملف واحد، بل هي منعطف لإرساء «قواعد الاشتباك المقبلة» سواء في غزة أو لبنان وسوريا وإيران، وتحديد حجم الدعم الأميركي المُنتظَر في كلّ من تلك الساحات.

اتّساع الفجوة بين المودعين

| فؤاد بزي |

انقسم المودعون على كلّ شيء، من مصير المصارف وطريقة استرداد ودائعهم ونظرتهم إلى تعامل الدولة مع أزمة الانهيار النقدي والمصرفي. حتى مشروع قانون الفجوة المالية واسترداد الودائع لم يتمكّن من جمع المودعين على رأي واحد. بينهم من يرى في المشروع «فرصة لإنهاء الأزمة»، وفي مبلغ 100 ألف دولار المُقرّر دفعه لكلّ مودع «حلّاً جيداً»، وآخرون يرون أنّ المشروع بمثابة «حائط سدّ يوقف كلّ الحلول، ويؤكّد ضياع الودائع».

بالنسبة إلى رافضي المشروع فإن «القانون ظالم، ويساوي بين المُختلِس الذي جمع وديعته بنتيجة أعمال سرقة واحتيال ونصب، ومن قضى عمره يعمل ويدّخر في المصارف». وهذه الزاوية التي منها ينظر هؤلاء إلى المشروع «طبيعية»، يقول رافضو القانون، لأنّها ناتجة «من تصنيف الودائع على أساس أحجامها، كبيرة وصغيرة، لا على أساس أنّها حقّ يجب أن يُستردّ» وفق رئيس تجمّع المودعين حسن مغنية. ويصف الوضع بأنه «سيّئ للغاية» معتبراً أنّ «المصارف متحكّمة بالحكومة ورئيسها نواف سلام الذي ينفّذ أجندة لم يتحمّل رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي العمل بموجبها».

يقول مغنية، إن «نواف سلام يريد بمشروعه اعتبار كلّ الوديعة عبارة عن 100 ألف دولار تُستردّ بالتقسيط، وبقية المبلغ يؤخذ على شكل سندات»، لذا يطلب «بياناً رسمياً من الدولة يشرح للناس لماذا وقعت الأزمة، وكيف تبخّرت الودائع؟». فحتى اللحظة، لم تصارح الدولة الناس بالأسباب، بينما أعدّت مشروع قانون هو بمثابة «كارثة» على الودائع. ويطالب بفتح تحقيقات مع موظفين في القطاع العام حول مصادر أموالهم التي تزيد عن عدّة ملايين من الدولارات، بينما رواتبهم من القطاع لا تسمح بجمع هذه المبالغ.

على الضفة المقابلة، ترى رابطة المودعين في مشروع قانون الفجوة المالية واسترداد الودائع «مسوّدة تحتاج إلى التطوير والتعديل وسدّ الثغرات لملاقاة حاجة الناس والمودعين الملحّة لإنهاء الأزمة المالية بشكل عادل». إنّما هذا «الموقف الإيجابي» لم يأتِ من دون «ولكن»، إذ يشير العضو المؤسّس في رابطة المودعين رائد بو حمدان إلى أنّ «ربط الخسائر المالية بالذهب هو مقايضة من المصارف لتعويض خسائرها من ثروة اللبنانيين».

فالمصارف هي خصوم مباشرة، يقول بو حمدان، ومن مصلحتها عدم وجود حلول. لذا، وأمام إيجابية خطوة إعطاء المودع مبلغ 100 ألف دولار من وديعته، يرى بو حمدان أن هناك ضرورة لـ«معالجة ملف الودائع بالليرة اللبنانية، والتي فقدت 98% من قيمتها».

وهذا يعني أنّ المشروع بحاجة إلى تعديلات لا تنسفه بشكل كامل. وتبدأ هذه التعديلات في تقليص مدّة تقسيط مبلغ 100 ألف دولار، لتصبح أقل من 4 سنوات. وتُستكمل بإبعاد الإشارات في النصوص التي تتكلم عن إمكانية استخدام احتياطي الذهب لسداد سندات الدين، أو تغطية الخسائر.

وبحسب بيان رابطة المودعين، يجب تجنّب الاعتماد على نصوص قانونية غير واضحة تحوّل الالتزامات إلى ديون عامة، فهذه الطريقة ستحمّل الأجيال القادمة ديوناً هي غير مسؤولة عنها. كما يُفترض بالنص القانوني تكريس، بشكل واضح وحاسم، مبدأ تراتبية الخسائر المُعتمد دولياً، والذي يفرض شطب رساميل المساهمين واستعادة أرباح أصحاب المصارف بالكامل قبل المسّ بحقوق المودعين.

“ولعت” بين سعيد والبساط!

من المُقرّر أن يعقد مجلس الوزراء جلسة ثانية اليوم لاستكمال النقاش في مشروع «قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع»، بعدما أقرّ الموادّ الأربع الأولى وأجرى تعديلاً جذرياً في المادة الثالثة يجعل نطاق تطبيقه يشمل كلّ الحسابات المصرفية قبل تاريخ 17/10/2019 وبعده بالإضافة إلى شمول كل الحسابات المصرفية بهذه العملية بدلاً من حصرها بالحسابات بالعملات الأجنبية. وبيّن النقاش حول المادة الرابعة التي تتعلّق بتراتبية توزيع الخسائر ورسملة المصارف، وجود تباينات في الرأي بين حاكم مصرف لبنان كريم سعيد والوزير عامر البساط، لكنها لم تخلص إلى إجراء أيّ تعديل في هذه المادة.

في بداية الجلسة طُلب حضور حاكم مصرف لبنان كريم سعيد «حتى نوقف الشائعات المتمادية عن وجود انقسام في الرأي بين أعضاء اللجنة الوزارية المُكلّفة بصياغة مشروع القانون، والحاكم، وحتى يظهر أن الحاكم مُشارِك في صياغة هذا المشروع كما هو الواقع» وفق أحد الوزراء.

هكذا انطلق نقاش عام في مشروع القانون، اشترك فيه إلى جانب الحاكم، عدد من الوزراء بينهم وزير المال ياسين جابر، وزير العدل عادل نصّار، وزير الاقتصاد عامر البساط، وزير الصناعة جو عيسى الخوري، وزير الطاقة جو الصدّي، وزير الاتصالات شارل الحاج ووزير الإعلام بول مرقص.

وكان لكل فريق بعض الملاحظات التي حملها معه سواء بشأن بعض التعريفات أو بشأن عدم وجو موادّ تنصّ على المحاسبة والمُساءلة وعلى مدى التزام الدولة تجاه الخسائر التي يمكن أن يسجّلها مصرف لبنان، ما سيجعلها بشكل ملتوٍ شريكة أساسية في تحمّل الخسائر… واستمر النقاش مدةَ نصف ساعة تقريباً، ثم قرّر رئيس الجمهورية جوزف عون إنهاء النقاش العام والانتقال إلى دراسة موادّ المشروع مادّة مادّة، انطلاقاً من العنوان ثم التعريفات وصولاً إلى المادة الثالثة وعنوانها «نطاق تطبيق القانون».

تنصّ هذه المادة على أن النطاق يشمل الخزينة العامة ومصرف لبنان والمصارف وكل الحسابات بالعملات الأجنبية المتكوّنة لدى مصرف لبنان والمصارف قبل تاريخ 17/10/2019. سُجّلت بعض الاعتراضات عليها اعتباراً من أنها تلحظ حصراً العملات الأجنبية بتاريخ محدّد. سأل عيسى الخوري عن تحديد هذا التاريخ والحصرية بالعملات الأجنبية، طالباً شمول كل الحسابات بالليرة والدولار في الفترة ما قبل وبعد التاريخ المذكور لأن الحسابات بالليرة هي الأكثر تضرّراً وأصحابها هم «المعتّرون» الذين لم يكن لديهم من ينصحهم بتحويلها إلى الدولار ولم يكن لديهم نفوذ لدى المصارف لتحويلها. تلقّى جواباً بأن الكلفة ستصبح كبيرة في حال شمول هؤلاء، لكن استقرّ رأي الغالبية في المجلس على تعديل المادة لتشمل كل الحسابات بالليرة والدولار وقبل التاريخ المُحدّد وبعده.

وعندما انتقل النقاش إلى المادة الرابعة بدأت تظهر التباينات بين الحاكم سعيد والوزيرين البساط وجابر. فالمادة الرابعة تتعلق بتراتبية توزيع الخسائر وتحدّد مسارها بأن يُجرى تقييم لجودة أصول مصرف لبنان لتحديد حجم الخسائر ثم تطبيق توزيع الخسائر على مصرف لبنان ثم على المصارف ضمن حدود أموالها الخاصة وفرض إعادة الرسملة على المصارف. وهذه المادة كانت محور الخلاف الأساسي مع صندوق النقد الدولي أيضاً الذي طلب أن توزّع الخسائر بطريقة التراتبية التي تصيب رساميل المصارف أولاً ثم سائر الدائنين.

وقال سعيد في الجلسة، إن معيار المحاسبة الدولي لا يفرض شطب الرساميل أولاً كما يريد صندوق النقد الدولي، بل يسمح بـ«تنظيف» ما يمكن تصنيفه بأنه خسائر مُحقّقة أولاً قبل الانتقال إلى شطب الأموال الخاصة (الرساميل).

وبرأي سعيد، يجب، بعد تحديد حجم الخسائر، اللجوء إلى الإجراءات الآيلة إلى عملية «التنقية» وإذا بقي شيء من رساميل المصارف يتم تحويله إلى الشطر الثاني من الرساميل (Tier 2)، ما يساعد المصارف على احتساب نسب الملاءة (المؤشرات المطلوبة بموجب المعايير الدولية) لكنّ المبالغ المُحالة إلى الشطر الثاني لن تُستعمل نهائياً في عملية إعادة الرسملة بالحدّ الأدنى من المقدّمات النقدية، أي إن هذه التراتبية تفرض على المصارف الحدّ الأدنى من الرسملة التي سيطلبها مصرف لبنان وستؤدّي إلى شطب كل الرساميل في المرحلة النهائية. وفي المقابل يتبنّى البساط وجابر مقاربة صندوق النقد الدولي القائمة على الشطب أولاً لغاية حدود الرساميل أو الأموال الخاصة، ثم البدء بإجراءات الرسملة والتنقية.

كذلك اعترض جو عيسى الخوري على الفترة الممنوحة للمصارف لإعادة الرسملة والتي تصل إلى خمس سنوات، مُطالِباً بأن تكون سنتين فقط. لكن لم يصر إلى أي تعديل في المادة الرابعة. وفيما قال وزير الإعلام عند إذاعة المقرّرات الرسمية، إن هذه المادة أُقرّت، يعتقد بعض الوزراء أنه سيعاد البحث والنقاش فيها مجدّداً في جلسة اليوم.

يقول أحد الوزراء، إن غالبية التعديلات، باستثناء تلك التي أصابت المادة الثالثة من القانون، جاءت إنشائية – قانونية، مستغرباً ردّة الفعل العنيفة التي أبدتها المصارف تجاه مشروع القانون «لأنه لم تعجبها فكرة ردّ الأموال المذكورة في القانون».

لكن من الواضح أن الحاكم يرغب في إبقاء أكبر عدد ممكن من المصارف على قيد الحياة وإعادتها من حالة «الزومبي» بأضرار تناسب استمراريتها، ولا سيما أن مشروع القانون صُمّم ليتوازن بين «إعادة إحياء المصارف، وإنصاف المودعين» وفق ما قال مرقص في بيان المقرّرات الرسمية، وأنه يراعي مصالح الأطراف كافة: «مصرف لبنان، المصارف، المودعون، صندوق النقد الدولي». بمعنى آخر، إنه تسوية مطروحة على الطاولة، وليس قانوناً يعاين الأزمة ثم يوزّع المسؤوليات على أساس دور كل طرف فيها.

مرحلة سوداوية.. ولكن!

أكّد عليه سفير دولة غربية كبرى، خلال لقاء جمعه بمجموعة من النواب والسياسيين، لناحية انّ «الوضع في منطقة الشرق الأوسط قابل لاحتمالات مجهولة في ظل الصراعات المتراكمة فيها». ونُقل عنه قوله ما حرفيته «انّ أفق الحلول والتسويات إنْ لم يكن مسدوداً، فبالحدّ الأدنى انّه معقّد جداً».

وكشفت مصادر مطلعة على أجواء اللقاء لـ«الجمهورية»، انّ السفير الغربي قدّم صورة وتقييماً حذراً للوضع في لبنان، حيث لفت إلى انّ «تفجّر أي صراع او صدام في هذه المنطقة، سيلقي بارتداداته بصورة حتمية وعاجلة على ساحة لبنان».

الّا انّه اشار إلى أنّه «على الرغم من هذا الخطر، الّا انّ الفرصة تبقى متاحة أمام لبنان لكي يجنّب نفسه أي خضات او اي تداعيات ومنزلقات، حيث في مقدوره أن ينضبط في مسار معاكس لتلك الصراعات، ويستجيب لحاجته الملحّة إلى خطوات تحصينية، ولعلّ أكثر الحاحاً، هي أن يدرك اللبنانيون بكل مستوياتهم، وعلى وجه الخصوص السلطة الحاكمة وسائر المكونات والتوجّهات السياسية، بأنّ لبنان لا يمكن له ان يستمر في التعايش لفترة طويلة من دون حلول عاجلة لأزمته».

ووفق تقدير السفير المذكور كما نُقل عنه، فإنّ لبنان رازح حالياً تحت ضغطين كبيرين، يتجلَّى الأول في العامل الخارجي، حيث يجب الاعتراف بأنّ الخارج يلقي بارتدادات وتداعيات ضاغطة إلى حدّ كبير على لبنان، ولاسيما من العامل الإسرائيلي الذي تضع الدول الصديقة للبنان في رأس أولوياتها تبريد الأجواء وتبديد المناخ التصعيدي القائم. واما الثاني فيتجلّى في العامل الداخلي اللبناني، وليسمح لي اللبنانيون بأن اقول بأنّه يفوق الضغط الخارجي ضرراً على لبنان، بحيث يشكّل ما يشهده من صراعات سياسية وتوترات مذهبية وتشابك مصالح وتصادم رؤى وتوجّهات، نقطة الإضعاف الأساسية لبنيته السياسية وحتى المدنية والمجتمعية. ويفاقم ذلك بالتأكيد عنصر الخلل الأساس المتمثل بسلاح «حزب الله» ورفض الحزب التخلّي عنه».

وحذّر السفير الغربي من «انّ ظروف المنطقة شديدة الصعوبة والتعقيد، ولبنان وسط هذه الظروف، إضافة إلى وضعه الداخلي، مصيره الشلل الكامل، وربما اكثر من ذلك، إن لم تنجح محاولات تبريد التصعيد العسكري والأمني من جهة، ومن جهة ثانية إن لم تتحول الدولة فيه إلى دولة ذات تماسك قوي، تديرها قيادة صلبة تتمتع اولاً بالقدرة على إدارة نفسها بطريقة سليمة وحكيمة. ونحن في المناسبة نثق بإدارة الرئيس جوزاف عون ونقدّر ما يقوم به، وثانياً، على استيعاب الداخل واحتواء صراعاته، وثالثاً، ليس فقط على اتخاذ القرارات، بل على تنفيذها، ومحاذرة التردّد وأي خطوات من شأنها أن تؤدي إلى إضعاف الدولة».

وخلص إلى القول: «حاجة لبنان ملحّة جداً لبلوغ تفاهمات تنهي التوتر الحاصل مع إسرائيل، وهنا يأتي دور الأصدقاء في رفد لبنان بمساعدة جدّية ترسم خط النهاية لأزمته. ولكن بالدرجة الاولى فإنّ المطلوب من لبنان وبإلحاح ان ينقذ نفسه من اي خلل او شلل يؤدي في نهاية المطاف إلى ما لا يرغب به اللبنانيون، ولاسيما لجهة أن يقرر مصير بلدهم شيء ما خارجي».

قانون الانتظام المالي: الحكومة أعدّت المائدة ومصارف غَصَّت باللقمة؟

| د. باتريك مارديني |

استهلَّ رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مساراً مفصلياً بالإعلان عن إنجاز مسودة مشروع قانون معالجة الانتظام المالي واسترداد الودائع. واتسمت هذه الخطوةٍ بجرأةٍ افتقرت إليها الحكومات السابقة على رغم من إدراك الجميع لضرورتها القصوى. وقد حمل حضور كل من وزير المالية، ووزير الاقتصاد، وحاكم مصرف لبنان، دلالتَين متضافرتَين: الأولى سياسية توحي بوجود توافقٍ بين الرؤساء الثلاثة لتمرير هذا القانون، والثانية اقتصادية تعكس محاولة الجمع بين جهةٍ تسعى لتلبية اشتراطات المجتمع الدولي، وأخرى تحاول حماية هيكلية القطاع المصرفي. بيد أنّ هذا «الإجماع السريالي» لم يصمد طويلاً، إذ سرعان ما استعرّ نصل الإعتراض من قِبل بعض الأطراف.

اقتطاعٍ مخصَّص يستهدف «الأصول غير المنتظمة»

واستندت مسودّة الحكومة إلى ركيزتَين أساسيّتَين: الأولى هي التحوّل من سياسة الاقتطاع الشامل على الودائع إلى اقتطاعٍ مخصَّص، يستهدف ما اصطُلح على تسمِيَته بـ «الأصول غير المنتظمة»؛ والثانية، هي ضمان حقوق المودعين عن طريق استعمال الذهب الذي لطالما كان خطاً أحمر. وفي هذا السياق، يقترح القانون شطب الأصول غير المنتظمة التي تُقدّر قيمتها بنحو 35 مليار دولار.

وقد حاولت الحكومة، أن تُقيم وزناً من العدالة بين المصارف والمودعين، إذ شملت هذه الأصول الفوائدَ المرتفعة التي جناها بعض المودعين من الهندسات المالية، كما استهدفت أرباح المصارف المتضخّمة الناتجة من تلك الهندسات التي جرى توزيعها أرباحاً للمساهمين. وكذلك طالت المسودّةُ العمليات التي تمّت وفق أسعار صرف تفضيلية وبالمكيال عينه، شملت التحويلات الضخمة التي هُرِّبت إلى الخارج بعد العام 2019 واستفاد منها بعض المحظيِّين من أصحاب النفوذ.

100 ألف دولار من قيمة كل وديعة في 4 سنوات

وعقب الانتهاء من عملية «تنقية» الودائع من تلك «الأصول غير المنتظمة»، يقضي المقترح بتقسيط ما يصل إلى 100 ألف دولار من قيمة كل وديعة على مدار 4 سنوات. وتُقدّر هذه الودائع بنحو 20 مليار دولار، يُفترض أن تُسدَّد بالتعاون بين مصرف لبنان والمصارف، على ألّا تتجاوز حصة المصرف المركزي 60% من القيمة الإجمالية. ما يعني مطالبة المصارف بتأمين ما لا يقل عن 8 مليارات دولار خلال 4 سنوات، بينما يقع على عاتق مصرف لبنان تأمين 12 مليار دولار، وهو مبلغ يتماهى إلى حدٍّ كبير مع حجم احتياطاته النقدية الحالية، بشرط أن تعترف الحكومة بدَينها تجاه مصرف لبنان، وتجري مقاصة مع موجوداتها لديه.

أمّا الذهب، الذي ناهزت قيمته اليوم قرابة 38 مليار دولار، فسيُستخدَم كضمانة لسداد الشق الذي يتجاوز الـ 100 ألف دولار من كل وديعة، وذلك عبر تحويل هذه المبالغ إلى سندات دَين على المصرف المركزي مضمونة بالذهب. ومن خلال هذا الإجراء، تكون الحكومة قد أراحت المصارف من التزاماتٍ تعجز عن الوفاء بها، وتكون في الوقت عينه قدّمت ضمانة للمودعين باسترداد مبالغ لا تملك المصارف القدرة على أدائها. وبطبيعة الحال، يفتح هذا التدبير الباب لمخاطر تتعلّق بالإستقرار النقدي والمالي جراء تسييل الذهب، في ظل نظامٍ نقدي لا يزال يرتكز على سياسات استنسابية كانت هي السبب الرئيس في فجوةٍ مالية تبلغ قيمتها ضعف قيمة الذهب نفسه.

دولارات مجلس النقد تضمَن ثبات سعر الصرف

وبناءً على المعطيات المذكورة، فإنّ إجمالي الـ 85 مليار دولار من الودائع ستُطفأ عبر الآليات التالية: شطب 35 مليار دولار من الأصول غير المنتظمة، واستعمال جزء كبير من احتياطي الذهب البالغ 38 مليار دولار لضمان الودائع، و12 مليار دولار من احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، بالإضافة إلى 8 مليارات دولار يتوجّب على المصارف تأمينها. وهنا يبرز اعتراض المصارف بشدّة على مبلغ الـ 8 مليارات دولار المطلوب منها خلال 4 سنوات، معتبرةً إياه عبئاً يفوق طاقتها، كما تعترض على إجراءات الاقتطاع التي تستهدف فائض أرباح المساهمين والتحويلات إلى الخارج.

وعلى رغم من أهمّية معالجة الانتظام المالي واسترداد الودائع، فإنّ الحل الشامل لا يقتصر على إعادة التوازن الدفتري للمصارف، بل يقتضي أيضاً استعادة الثقة بالنظام المالي عبر جذب ودائع جديدة تشكّل الأساس لإعادة إطلاق عجلة النمو. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء مجلس نقد يضمن تغطية كاملة للعملة الوطنية بالاحتياطيات النقدية، فتصبح دولارات التغطية المصدر الحقيقي والوحيد للثقة بالليرة، بدلاً من الإرتهان لمصداقية الحكومة أو مصرف لبنان. ومن شأن مجلس النقد أن يُشجّع اللبنانيِّين الذين كنزوا الدولارات في منازلهم، وكذلك المغتربين والمستثمرين، على تحويل دولاراتهم إلى الليرة وتوظيفها داخل النظام المصرفي للاستفادة من فارق العوائد، ولا سيما أنّ دولارات مجلس النقد تضمَن ثبات سعر الصرف. ويُعيد هذا الإصلاح الجوهري تدفّق السيولة إلى الشرايين المصرفية، ويسمح لها بتعويض ما ستُسدِّده جرّاء هذا القانون.

المرحلة الثانية ليست نزهة!

| عماد مرمل | 

من الواضح أنّ مطلع السنة الجديدة سينطلق في لبنان مثقلاً بتحدّيات كبرى، لعلّ أهمها ما يتصل بتضارب المقاربات والفهم لطبيعة المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح ومعادلاتها.

إذا كان الجزء الأكبر من المرحلة الأولى لخطة حصر السلاح في منطقة جنوب الليطاني قد تمّ إنجازه بسلاسة وانسيابية إلى درجة كببرة، ربطاً بالتعاون الذي أبداه «حزب الله» مع الجيش اللبناني، تنفيذاً لالتزاماته في اتفاق وقف الأعمال العدائية، الّا أنّ الأمور ستتخذ على الأرجح منحى مغايراً في المرحلة الثانية، التي لن تكون نزهة، بفعل ما يحوط بها من تعقيدات جمّة وعلامات استفهام.

ويمكن فرز أربعة اتجاهات متباينة في مقاربة هذه المرحلة كالآتي:

ـ بالنسبة إلى الجيش اللبناني، فإنّ الموقف المبدئي لقيادته، هو انّه لا يمكن منهجياً ومنطقياً البدء في تطبيق المرحلة الثانية قبل الانتهاء كلياً من تلك الأولى، وهذه بدورها لن تكتمل ما لم تنسحب القوات الإسرائيلية من الأجزاء التي لا تزال تحتلها في المنطقة الحدودية، لأنّ استمرار هذا الاحتلال يعوق قدرة الجيش على إتمام مهمّته وبسط سيطرته التامة على جنوب الليطاني. ومن هنا، لو عاد القرار إلى المؤسسة العسكرية وحدها، لطلبت تمديد المرحلة الأولى إلى حين إنجازها بكاملها، ولرفضت الانتقال إلى الثانية قبل أن ينسحب آخر جندي إسرائيلي.

– في ما خصّ الحكومة اللبنانية، كان لافتاً انّ رئيسها نواف سلام، صرّح أنّ على إسرائيل وقف اعتداءاتها وخروقاتها لقرار وقف الأعمال العدائية، ولكن هذا لا يمنع لبنان، في رأيه، من الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تمتد من شمال نهر الليطاني إلى منطقة نهر الأولي. أي إنّ سلام لم يربط عملية الانتقال بالانسحاب الإسرائيلي او بالكف عن الاعتداءات، بينما كان في إمكانه اشتراط ذلك، اقله من باب التكتيك التفاوضي والضغط على واشنطن وتل ابيب، سعياً إلى تحصيل ثمنٍ ما في مقابل إطلاق المرحلة الثانية، بدل أن «يتبرّع» بالإعلان عن الاستعداد للمباشرة بها مجاناً. وانطلاقاً من تصريح رئيس الحكومة، ليس صعباً الاستنتاج أنّ هناك تمايزاً وتباعداً في النظرة إلى مدخل المرحلة الثانية بينه وبين الجيش، وإن يكن الاخير ملزماً في نهاية المطاف بتنفيذ قرار السلطة السياسية.

– على مستوى «حزب الله»، الصورة واضحة ولا تتحمّل أي التباس او اجتهاد: «نحن نفّذنا كل المطلوب منا في جنوب الليطاني حتى تكون تلك المنطقة منزوعة السلاح وفق مندرجات اتفاق وقف الأعمال العدائية، وسهّلنا مهمّة الجيش على هذا الصعيد إلى اقصى الحدود. أما شمالي النهر فمعاييره مختلفة ومصير السلاح فيه يخضع إلى البحث ضمن الاستراتيجية الدفاعية او استراتيجية الأمن الوطني، في اعتبار انّه شأن داخلي ليس للكيان الإسرائيلي او للولايات المتحدة علاقة به، ويعود أمر البتّ فيه إلى اللبنانيين أنفسهم، من خلال الحوار الداخلي وما تتطلّبه مقتضيات المصلحة الوطنية».

وبهذا المعنى، لن يبدي «الحزب» أي تعاون او يقدّم أي تسهيلات إذا كان يُراد تطبيق المرحلة الثانية على قياس الأولى، وبالتالي فإنّ دور الجيش لن يكون سهلاً في حال طلبت منه السلطة السياسية سحب السلاح من المنطقة الواقعة بين شمال الليطاني ونهر الأولي.

ـ تبقى حسابات الجانبين الإسرائيلي والأميركي، اللذين يضغطان على الدولة اللبنانية لتسريع المباشرة في المرحلة الثانية من سحب السلاح، تحت طائلة التهديد بشن حرب واسعة ما لم يتمّ التجاوب مع مطلبهما ضمن روزنامة يحاولان التحكّم بها وفق متطلبات مصالحهما.

وإزاء هذه التعريفات والرؤى المتعارضة لمرحلة ما بعد جنوب الليطاني، يبدو أنّ الآتي هو أشدّ صعوبة وأكثر تعقيداً مما مضى. وبالتالي فإنّ التمنيات بأن تكون بدايات السنة الجديدة مبشّرة بالخير قد لا تتحقق سريعاً، كما يأمل اللبنانيون.

الدخول في حقل الألغام على الأوّلي

| طوني عيسى |

لم تعد هناك حاجة إلى التحليل. أعلنها رئيس الحكومة نواف سلام بوضوح: المرحلة الثانية على وشك الانطلاق، وهي محدّدة جغرافياً ببقعة ما بين النهرين: الليطاني والأوّلي، على أن تليها مرحلة ثالثة في بيروت وجبل لبنان، ورابعة في البقاع والمناطق الأخرى. ولكن، هل يدرك المعنيون أنّ التحدّيات المنتظرة في جنوب الأوّلي أصعب وأخطر من تحدّيات جنوب الليطاني؟

إذا كان الجيش اللبناني، مدعوماً بقوات «اليونيفيل»، وتحت وطأة النار الإسرائيلية، والضغط الأميركي، قد استغرق حتى اليوم 13 شهراً، لتنظيف القسم الأكبر من منطقة جنوب الليطاني من السلاح، تنفيذاً لقرار وقف النار الموقّع في تشرين الثاني 2024، وما زال ينقصه ربما شهر أو اثنان للإعلان عن اكتمال المهمّة المتعلقة بالمرحلة الأولى، فإنّ مدة الـ15 شهراً هذه كفيلة بتكوين فكرة عن الفترات الزمنية التي تستغرقها كلٌّ من المراحل الأربع التي حدّدها رئيس الحكومة.

والترجمة العملية المباشرة لهذا الاستنتاج ستظهر في المرحلة الثانية من خطة الجيش، أي في منطقة ما بين النهرين، الليطاني والأوّلي، التي يفترض أن تبدأ في شباط المقبل. وإذا كانت الصعوبات المنتظرة في هذه الخطة بمستوى الصعوبات التي ظهرت في المرحلة الأولى، لا أكثر، فمن المتوقع أن يستغرق إنجاز المهمّة هناك 15 شهراً أخرى، أي حتى منتصف العام 2027.

ولكن، في الواقع، منطقة «ما بين النهرين» أصعب وأخطر بكثير من مرحلة جنوب الليطاني، وهي بالتأكيد تحتاج إلى جهد أكبر بكثير يؤديه الجيش. وهي ستفتح الأبواب إما للحسم وإما للانهيار. فهذه المنطقة، بالنسبة إلى كل من الطرفين المعنيين، إسرائيل و»حزب الله»، هي بمثابة عمق حيوي يجب تأمينه حتماً.

بالنسبة إلى «حزب الله»، هذه المنطقة هي «خزان الإمداد» الأول. فبعد خسارته حرّية الحركة جنوب الليطاني، تحولت مناطق النبطية وإقليم التفاح وبعض مناطق جزين وصيدا، مراكز ثقل استراتيجية، تضمّ منظومات دفاعه الجوي ومخازن صواريخه الدقيقة، ومراكز للقيادة والسيطرة البديلة. وبالمعنى الاستراتيجي، هذه البقعة تربط «رئة البقاع» بـ«جبهة الجنوب».

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهذه المنطقة هي «المدى القاتل». أي إنّ الصواريخ الموجودة فيها قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي. والسيطرة عليها تعني «شلّ» قدرة «الحزب» على المبادرة الهجومية في شكل نهائي.

والانتقال إلى شمال الليطاني سيرفع منسوب المخاطر إلى مستويات غير مسبوقة، لأسباب عدة:

1- انتقال الجيش اللبناني إلى وضعية تماسّ مباشر مع الكتلة الصلبة الحاضنة لـ«حزب الله». فشمال الليطاني كثيف السكان، خلافاً لما كان عليه الوضع في جنوب الليطاني المدمّر بمعظمه، والذي نزح كثير من سكانه. ولذلك، أي محاولة لنزع سلاح «الحزب» بالقوة بين النهرين ستفجّر مواجهة مدنية ـ عسكرية مع الجيش اللبناني و«مجهولين» ربما.

2- هذه المنطقة تقع خارج نطاق عمل قوات «اليونيفيل». ولذلك، سيعمل فيها الجيش اللبناني وحيداً. وسيكون أمام أحد خيارين: الدهم الناعم أم الحسم؟

في خطته التي تبنّتها الحكومة، يتعاطى الجيش مع هذه المهمّة بـ«واقعية أمنية». فهو لن يذهب إلى مواجهة جبهوية مع «حزب الله»، بل سيعتمد استراتيجية «تفكيك البنى اللوجستية»، من دون الانزلاق إلى مواجهة.

لكن المعضلة المتوقعة تكمن في أنّ إسرائيل لن تصبر على «النعومة» اللبنانية. فإذا لم ينفّذ الجيش ضربات لـ«الأهداف الصلبة»، ستتدخّل المسيّرات الإسرائيلية لتنفيذ المهمّة، ما يُحرج الحكومة ويُظهرها بمظهر «العاجز».

ولذلك، ثمة 3 سيناريوهات متوقعة في المرحلة الثانية:

ـ الأول، هو قبول الحزب بـ«مناورة التسليم»، حفاظاً على الهدوء السياسي الداخلي، فيسلّم مخازن «قديمة» ويسحب عناصره إلى الظل، في انتظار تغيّر الظروف الدولية.

ـ الثاني، أن تتعثر المناورة اللبنانية، فتقوم إسرائيل بتسديد ضربات واسعة في شمال الليطاني أو تطلق حرباً على لبنان لا يمكن ضبط حدودها، ولا أحد يضمن أن لا تُستتبع بعملية برية، تحت عنوان «تطهير» المنطقة، وخصوصاً النبطية وتلال إقليم التفاح.

ـ الثالث هو نجاح «الميكانيزم»، بجهود غربية وعربية، في مقايضة «نزع السلاح» بإعادة الإعمار، فيتمّ توسيع انتشار القوات المتعددة الجنسيات التي ستخلف «اليونيفيل» إلى منطقة ما بين النهرين، فتنشأ هناك منطقة أمنية مشتركة بإشراف تقني دولي، ما ينهي دور «الحزب» العسكري فيها بشكل دائم.

وفي الخلاصة، بدخول لبنان المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح، في موازاة انتقال «الميكانيزم» إلى مراحل متقدّمة من المفاوضات، بأبعادها العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية، هو يدخل أيضاً «عنق الزجاجة». فإذا تمكنت الحكومة والجيش من عبور هذه المرحلة بنجاح، يدخل لبنان عصر «الدولة». وأما إذا تعثرت، فقد يُرسم «الخط الأزرق» بالنار والبارود في قلب لبنان. ومن هنا، يمكن وصف المرحلة بأنّها مصيرية للبنان.

هجوم روسي على كييف

أعلن الجيش الأوكراني أن روسيا شنت هجوما جويا في وقت مبكر من صباح اليوم الثلاثاء على كييف، وذلك بعد يومين من انتهاء جولة محادثات السلام التي قادتها الولايات المتحدة في ميامي يوم الأحد.

وأضافت الإدارة العسكرية في كييف على تطبيق “تلغرام”: “تعمل قوات الدفاع الجوي على القضاء على التهديد في سماء العاصمة”، وحثت السكان على البقاء في الملاجئ لحين إعطاء الضوء الأخضر لهم بالخروج.

ولم يذكر المسؤولون حتى الآن ما إذا كان الهجوم أسفر عن سقوط قتلى أو مصابين أو تسبب في وقوع أضرار.

كما لم يتضح على الفور النطاق الكامل للهجوم.

هل يتم تعديل قانون الفجوة المالية؟

قالت مصادر وزارية لـ«اللواء» ان جملة الملاحظات التي ابداها مجلس الوزراء اعتراضا على قانون الفجوة المالية يؤشر الى انه سيخضع للتعديل، وأوضحت ان رئيس الجمهورية كرر القول انه مع حماية اموال المودعين وهذا ما كان قد اشار اليه في مرات عدة.

ولفتت الى انه ليس مستبعدا ان يخضع المشروع للتصويت في ظل غياب توافق لا سيما ان عددا لا بأس به من وزراء القوات والاشتراكي وبعض الوزراء ليسوا مع القانون في واقعه الراهن وتحدثوا عن اضراره على القطاع المصرفي، مؤكدة ان البحث يستكمل اليوم في جلسة تعقد في السراي الكبير.

الى ذلك، بدت لافتة اشارة رئيس الجمهورية تسهيل الوزير عمل المرافق العامة وليس تعطيله مسهباً في شرح مهمة الوزير وفق اتفاق الطائف، وكأنه يوجه رسالة الى احد الوزراء.

واقر مجلس الوزراء 4 مواد من مشروع الانتظام المالي وتسديد الودائع، بعد ادخال تعديلات عليها، على ان يستكمل البحث اليوم في جلسة ثانية للحكومة في السراي الكبير، على ان يشق المشروع طريقه في اجتماع اليوم، ويخرج الدخان الابيض من السراي، إيذاناً بتحويله الى مجلس النواب..

وانقسم مجلس الوزراء بين متبنٍ بالكامل لمشروع القانون، ويضم بصورة مباشرة الرئيس سلام، والوزيرين جابر والبساط، وبدا حاكم مصرف لبنان كريم سعيد متحمساً للمشروع.

وبين اكثر من فريق وزاري: فوزيرا اللقاء الديمقراطي فايز رسامني، ونزار هاني اللذين شاركا في اجتماع كتلة اللقاء الديمقراطي اعلنا انهما سيقترحان ادخال تعديلات على مشروع قانون الفجوة المالية ولن يصوتا على الصيغة المقترحة.. في حين سجّل اكثر من تدخل لوزير العدل د. عادل نصار في معارضة نقاط في المشروع، وكذلك وزير الاعلام بول مرقص.

وذكرت المعلومات ان وزراء «القوات اللبنانية»: جو صدي، ويوسف رجي والوزير كمال شحاذة ووزير الصناعة جو عيسى الخوري طالبوا بادخال المساءلة الشاملة والمحاسبة كبند اساسي في قانون الفجوة المالية، والا لن يصوتوا لصالح المشروع، فسارع الرئيس سلام الى التأكيد: عندما نصل الى المادة الخاصة بهذا الموضوع نضيف هذه الملاحظة، واعتبر الوزراء ان المشروع لن يعيد الودائع.

نقاش الفجوة المالية نال الحيز الأكبر من الجلسة

عيّنَ مجلس الوزراء ماجد مكيّه رئيساً لمؤسسة «إيدال» وزينة زيدان وعباس رمضان نائبين للرئيس إضافة إلى 4 أعضاء هم روني سرياني، ريم درباس، حسن صليبي وفادي صليبي، غير أن وزراء القوات اللبنانية اعترضوا على هذه التعيينات لأنها لم تحصل حسب آلية التعيينات، وفق معلومات «البناء».

ووفق معلومات «البناء» فإن نقاش قانون الفجوة المالية نال الحيّز الأكبر من وقت الجلسة، حيث حصل نقاش مستفيض في عدد من بنود المشروع وتبين وجود قراءات متباينة بين الوزراء الذين انقسموا بين مَن اعترض على بعض بنوده ورفضوا إقراره بصيغته الحالية، فيما أكد آخرون أهمية هذا القانون وضرورة إقراره رغم بعض الثغرات فيه لكنها خطوة تسهل استعادة الثقة وفتح باب الدعم والمساعدات الدولية، فيما دعا بعض الوزراء إلى تعديل بعض بنود المشروع وإشباعه نقاشاً وعدم الإسراع بإقراره تحت الضغط الخارجي.

ورأى وزير المالية ياسين جابر أنّ إقرار هذا القانون سيسمح بإزالة لبنان عن اللائحة الرمادية ويشجع على استعادة الدعم الدولي والاستثمارات الخارجية.