|رلى ابراهيم|
في جلسته الأخيرة، أقرّ مجلس الوزراء طلب وزارة الداخلية والبلديات الموافقة على تشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات وعيّن لها رئيساً وأعضاء بناءً على أحكام قانون الانتخاب النسبي النافذ. الخطوة يفرضها القانون 44/2017 في إطار التحضيرات للانتخابات النيابية في العام 2026، التي تقوم بها «الداخلية» ضمن المهل المحدّدة.
لكن ذلك لا يعني أنّ الأمور على السكّة الصحيحة. وهو ما عكسه الاجتماع الأخير للجنة الشؤون الخارجية والمغتربين النيابية، برئاسة النائب فادي علامة وحضور الوزراء المعنيين، خصوصاً عندما سُئل وزير الداخلية أحمد الحجار، عن تقرير الحكومة الخاص بآلية تطبيق المادة 123 من القانون الانتخابي والمراسيم التطبيقية الخاصة به. إذ أجاب الحجار يومها بأنّ التقرير الذي يؤكّد تعذّر تطبيق المادة التي تنص على إنشاء الدائرة 16 وإضافة 6 مقاعد نيابية لغير المقيمين، لم ينتهِ بعد.
أثار ذلك استغراب النواب الحاضرين الذين سألوا: كيف يتمّ إعداد مشروع قانون لإلغاء مادة بحجّة عدم القدرة على تنفيذها، في وقت لم تنتهِ اللجنة الوزارية المكلّفة من إعداد تقريرها بشأن إمكانية تطبيقها أم لا، ومن دون دراسة التقرير الحكومي السابق الصادر عن حكومة نجيب ميقاتي في العام 2021، الذي وضع آلية لتطبيقها؟
لتُرفع الجلسة بعدما وعد وزير الداخلية بتسليم هذا التقرير، إضافةً إلى دراسة الحكومة السابقة. في المقابل، اعتبر بعض النواب أنّ ما جرى يؤكّد أنّ الهدف من إلغاء الدائرة 16 انتخابي بحت ويخدم مصلحة بعض الأحزاب، ولا يتعلّق أبداً بآلية التطبيق الموجودة والقابلة للتنفيذ.
تقرير حكومة ميقاتي
“الأخبار” حصلت على تقرير اللجنة المشتركة الذي أعدّته الحكومة السابقة بموجب القرار 1028/2021، والتي درست القانون على مدار 6 جلسات، وأصدرت تقريراً من 56 صفحة يتعلّق بتطبيق دقائق أحكام المادة 123. وتضمّن التقرير الصادر في 4 تشرين الأول 2021، عشر مواد مفصّلة حول آلية اقتراع اللبنانيين غير المقيمين للنواب الستة في الخارج.
نصّت المادة الأولى على إنشاء دائرة انتخابية كبرى للّبنانيين غير المقيمين على الأراضي اللبنانية تسمّى دائرة «غير المقيمين» تضاف إلى الدوائر الـ 15 الكبرى، وهي مؤلّفة من 6 مقاعد بالتساوي بين القارات وبين المسيحيين والمسلمين (ماروني – أرثوذكسي – كاثوليكي – سني – شيعي – درزي)، وموزّعة على 6 قارات (أفريقيا – أوروبا – آسيا – أوقيانوسيا ودول المحيط الهادئ – أميركا الشمالية – أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي).
وأوصت اللجنة بعد إجراء محاكاة لخيارات عدّة، اعتماد الخيار المتعلّق بتوزيع المذاهب بحسب ترتيب النسبة المئوية في كل قارة من الأعلى إلى الأدنى، وذلك بعد انتهاء مهلة تسجيل المغتربين، إذ يفترض بالمديرية العامة للأحوال الشخصية في مهلة لا تتجاوز 20 كانون الأول، ترتيب المذاهب في قائمة واحدة بحسب النسب وفقاً لمعادلة تقضي بتقسيم عدد الناخبين من كل مذهب في كل قارة على مجموع عدد الناخبين المسجّلين في القارة ذاتها.
على هذا الأساس تجري عملية توزيع المذاهب على القارات بدءاً من رأس القائمة؛ فيمنح المذهب الأول للقارة التي حصلت على أعلى نسبة مئوية من المسجّلين، والمذهب الثاني للقارة صاحبة المرتبة الثانية في القائمة وهكذا دواليك شرط أن تستبعد القارة والمذهب الذي خصّص لها من عملية التوزيع. بعدها ترسل مديرية الأحوال الشخصية توزيع المقاعد الـ6 بحسب المذهب لكل قارة مع الدراسة الرقمية ليصار إلى إصدار قرار مشترك من وزيرَي الداخلية والخارجية، يتمّ نشره في الجريدة الرسمية بغية اعتماده في أي انتخابات عامة.
كذلك، ناقشت اللجنة شروط الراغبين في الترشح، خصوصاً أحقّية اللبناني المقيم في لبنان الترشح عن مقاعد الاغتراب أو من يحمل جنسية أخرى غير الجنسية اللبنانية ومقيم في الخارج أن يرشح نفسه عن أحد المقاعد الـ6. وقد راسل وزير الداخلية السابق بسام مولوي، في 14 تشرين الأول 2021 هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل طالباً رأيها. فردّت الهيئة عليه بعد 5 أيام بأنه يحق للّبناني المقيم في لبنان والذي توفّرت فيه شروط الترشح (محدّدة في المادة 45 من قانون الانتخاب) أن يرشح نفسه عن مقاعد الاغتراب، كما أنّّ اكتساب الجنسية الأجنبية لا يحول دون حق الترشح عن المقاعد عينها.
آلية التطبيق معدّة ومفصّلة!
في موازاة ذلك، تطرّق التقرير إلى هيئة الإشراف على الانتخابات للمرشحين في الخارج لجهة الإنفاق الانتخابي والإعلام والإعلان، فأشار إلى ضرورة وضع هيئة الإشراف نفسها بعد تشكيلها نصوصاً حول ذلك. واستعانت اللجنة بأعضاء من جمعية المصارف للاستفسار حول كيفية فتح حساب مصرفي للحملة الانتخابية في المصارف اللبنانية للمرشحين في الخارج، مستندةً إلى القانون الفرنسي أيضاً.
لتوصي بفتح المرشح حساباً في لبنان، وعدم تحويل أي نفقات إلى الخارج إلا من حساب بالعملة الأجنبية وبموجب تحويل مصرفي أو شيك، على أن يوقّع صاحب الحساب على رفع السرّية المصرفية عنه. أمّا في ما خصّ آلية الاقتراع والصوت التفضيلي، فرأت اللجنة أنّ أحكام المادتين 98 و99 تنطبقان على المغتربين، وبالتالي يحق لكل ناخب في الخارج أن يقترع بلائحة واحدة من بين اللوائح المتنافسة وبصوت تفضيلي واحد لمرشح من القارات الست، الموجودين عليها.
وبعد نقاش في كيفية فرز الأصوات، أوصت اللجنة بأن يتمّ الفرز وإعلان النتائج في نهاية عملية الاقتراع يوم الأحد المحدد لإجراء الانتخابات النيابية في لبنان، لضمان عدم التأثير على سير العملية الانتخابية في الداخل. لكنها اشترطت أن تُخصّص لجان قيد ابتدائية لفرز أصوات المقترعين في الخارج، بمعدّل لجنة قيد لكل 30 قلم اقتراع.
ووفقاً للتقرير، يتمّ إجراء العملية عبر الحاسوب المبرمج الذي يتولّى العدّ آلياً، على أن يعاد العدّ يدوياً إذا كان هناك اختلاف في عدد الأصوات بين نتائج محاضر قلم الاقتراع والحاسوب.
وعلى المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين أن تجهّز قاعات لجان القيد الابتدائية بحاسوب مبرمج وبكاميرات خاصة وأجهزة تلفزيونية، بحيث يتمّ توجيه الكاميرا على ورقة الاقتراع، بشكل يسمح بظهور مضمونها على شاشة التلفزيون، ويتيح لمندوبي المرشحين والمراقبين المعتمدين الاطّلاع بسهولة على اللوائح والأسماء الواردة فيها في أثناء عملية الفرز.
بعدها، تسلّم لجنة القيد العليا في بيروت المحضر النهائي والجدول العام للنتائج إلى وزارة الداخلية، التي تتولّى إعلان النتائج النهائية وأسماء المرشحين الفائزين. ومن ثمّ، يبلّغ وزير الداخلية هذه النسخة فوراً إلى رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الدستوري.
وفي حال شغور أي مقعد من المقاعد الستة في الاغتراب، يمكن الركون إلى المادة 121 من قانون الانتخابات المتعلّق بالانتخابات الفرعية، كما تطبّق أحكام المادة 43، باستثناء ما جاء في الفقرة 5 منها، بحيث يشترك في عملية الاقتراع الناخبون غير المقيمين المسجّلة أسماؤهم على قوائم الناخبين. وقد عمدت اللجنة إلى إجراء محاكاة لدائرة انتخابية في الخارج بحسب الآلية التطبيقية التي وضعتها وأصدرت نتائجها بنجاح.
لتوافق أو النص القانوني؟
ما سبق، يؤكّد أنّ ثمّة آلية تطبيقية مفصّلة حول اقتراع المغتربين في الخارج للمقاعد الستة وفقاً لما تنصّ عليه المادة 123 من قانون الاقتراع النافذ، ما يسقط كل الذرائع التي تحجّج بها وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، لتقديم طلب تعليق العمل بالمادة 123 من منطلق تعذّر تطبيقها.
فالواضح أنّ رجي، لم يدرس التقرير الصادر عن اللجنة المشتركة من وزارتَي الداخلية والخارجية في حكومة ميقاتي، وإنما عمد إلى تنفيذ أجندة حزبية تخدم مصالح فريقه السياسي. وفي المقابل، يبرز تساؤل آخر حول عدم نشر حكومة ميقاتي لهذا التقرير والامتناع عن العمل به، بدلاً من تعليق المادة 123، في العام 2022. وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدلّ على أنّ تطبيق قانون الانتخابات مرهون بالاتفاق السياسي بين جميع الكتل، وليس وفق المواد القانونية التي ينصّ عليها.
وفي حين كان هذا التوافق متوفّراً في العام 2022، يبدو أنه مفقود اليوم، فبات تطبيق القانون مرهوناً بالتجاذب السياسي. إذ يستخدم ملف المغتربين كشمّاعة لحصد المكاسب والأرباح وسط تجدّد الحديث عن تمديد «وجيز» حتى تموز المقبل، كي يتمكّن المغتربون من الاقتراع في أثناء وجودهم في لبنان لقضاء عطلة الصيف.