| دايانا شويخ |
تُعد أوراسيا، بما تتضمنه من مناطق القوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى، إحدى أهم الساحات الجيوسياسية في العالم، إذ تجمع بين موارد هائلة من النفط والغاز، خصوصاً في روسيا وآسيا الوسطى، وهي موارد تمثل شرياناً حيوياً لأوروبا والصين والهند. كما تمتلك ممرات بحرية وبرية حيوية، كـ”طريق الحرير” القديم، والممرات الحديثة لمباردة “الحزام والطريق” الصينية.
قدّم عالم الجغرافيا والسياسة البريطاني هالفورد جون ماكيندر في مقالته “الإرتكاز الجغرافي في تعاليم التاريخ” عام 1904، تصوراً مبكراً لأهمية منطقة أوراسيا، حيث رأى من خلال نظريته “قلب العالم” أن من يسيطر على أوراسيا يمكنه التحكم في النظام العالمي. هذا المفهوم لايزال حاضراً إلى اليوم، حيث تتنافس كل من روسيا وتركيا وإيران والغرب على بسط نفوذهم في هذه البقعة الجغرافية الغنية بالنفط والغاز، والمهمة لأمن الطاقة الأوروبي والصيني والهندي على حد سواء.
تشهد أوراسيا نزاعات مستمرة، كالحرب الروسية الأوكرانية، التوترات بين الصين والهند، والنزاعات القوقازية الأخرى. كما تعد مسرحاً للتحركات العسكرية والتنافس الإستخباراتي، والسعي لتوسع مشاريع بنية تحتية مثل مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. وفي هذا السياق، تلعب “إسرائيل” دوراً غير مباشر لكنه مؤثر، فهي تشكل حلقة وصل استراتيجية بين الغرب والشرق الأوسط، وتتشارك في مشاريع طاقة تهدف إلى تقليص إعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وتدعم الجهود الغربية لإحتواء تمدّد النفوذ الإيراني نحو القوقاز وآسيا الوسطى.
في الحديث عن منطقة أوراسيا كساحة صراع جيوسياسي اليوم وموقع “إسرائيل” فيها، لا بدّ من التطرق إلى مشروع ممر “زنغزور” الذي عاد إلى الواجهة مؤخراً، والذي يربط أذربيجان بجيبها “نخجوان” عبر الأراضي الأرمنية، بإعتباره نقطة تحول قد تضعف الموقع الإيراني كمنطقة عبور بين القوقاز وآسيا الوسطى، وبالتالي تقلل من النفوذ الإيراني في جنوب القوقاز. وفي المقابل، يعتبر الممر نافذة لـ”إسرائيل” لتعزيز نفوذها، عبر تحالفاتها مع أذربيجان وتركيا تحت الرعاية الأميركية، مما يهدد بتغيير موازين القوى لصالح المحور المناوئ لإيران.
ما هو ممر “زنغزور” ولماذا عاد إلى الواجهة؟
“من يسيطر على ممر “زنغزور” يمكنه توسيع نفوذه نحو المجال التركي في الأناضول، والمجال الروسي في القوقاز الداخلي، بل وحتى التوغل إلى الأراضي الأساسية لإيران. هذه الرقعة الصغيرة من الأرض، التي قد تبدو مهملة، كانت على مر العصور مفترق طرق للمنافسة الإقليمية، قبل أن يظهر الأتراك والروس”.
يستمد ممر “زنغزور” إسمه من المنطقة التاريخية في جنوب القوقاز، التي تغطي اليوم معظم مقاطعة “سيونيك” الأرمنية. وعلى الرغم من أن الممر المقترح قصير، إلا أنه ذات أهمية جيوسياسية كبيرة. وهو ممر نقل يمتد لمسافة 43 كيلومتراً، صمم لربط أراضي أذربيجان بـ”نخجوان”، وهي مقاطعة أذربيجانية منفصلة ذات حكم ذاتي، مروراً بمقاطعة “سيونيك” في أرمينيا.
يعطي الممر دولة أذربيجان الحرية في الوصول إلى جمهورية “نخجوان” من دون عوائق أو نقاط تفتيش أرمنية. وقد قُدم هذا المفهوم إلى المعجم السياسي من قبل رئيس دولة أذربيجان إلهام علييف، بعد إتفاق وقف إطلاق النار في “ناغورنو قرة باغ” 2020، وروّجت أذربيجان وتركيا له، في حين إعترضت أرمينيا بشدة عليه. وهو يمتاز بأهمية جيوسياسية، إذ يربط تركيا ببقية العالم التركي، وبالتالي يحقق لتركيا رؤيتها في توحيد العالم التركي في آسيا الوسطى.
الأهمية الإقتصادية والإستراتيجية
يمثل ممر “زنغزرو” أهمية محورية للإقتصاد والإستراتيجيا في منطقة جنوب القوقاز. فبالنسبة لأذربيجان، يعزز الممر مكانتها كمركز عبور إقليمي، ويسهم في تنويع إقتصادها بعيداً عن الطاقة. كما يساهم في تقليص زمن الرحلة بين “باكو” و”نخجوان” وبالتالي يعزز التجارة بينها وبين تركيا وأوروبا. ويمكن لممر “زنغزرو” أن يحقق عوائد إقتصادية، من خلال إحياء الطرق التجارية التي تربط آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، ويسهل الوصول إلى الأسواق الأوروبية. كما يزيد من حجم التجارة الإقليمية والدولية من خلال توسيع السكك الحديدية التي تربط روسيا وأذربيجان وأرمينيا وتركيا.
وبالرغم من أهمية الممر إقتصادياً وجيوسياسياً، إلا أن الاعلان عنه أحدث توترات جيوسياسية، إذ عارضت أرمينيا المشروع وبشدة في البداية، وكانت مخاوفها تتمثل في تهديد سيادتها وأمنها القومي، خاصة في ظل النزاعات التاريخية بين البلدين.
إعتبرت أرمينيا أن إنشاء ممر عابر على أراضيها يمكن أن يقوّض وحدة الدولة ويضعف سيطرتها على حدودها، كما يمكن أن يقيدها من الوصول إلى طرق النقل والتجارة التي تربطها بإيران والمحيط الهندي. وهذا من شأنه ان يتيح لأذربيجان إستخدام الممر للضغط السياسي والعسكري ويزيد من عزلة أرمينيا الجيوسياسية.
“ممر ترامب للسلام والإزدهار”
الحديث عن ممر “زنغزور” عاد إلى الواجهة وبقوة في شهر آب/أغسطس الماضي، بعد قمة رعتها الولايات المتحدة في البيت الأبيض بين أذربيجان وأرمينيا، حيث تم التوصل إلى اتفاق سلام شامل تضمّن إستئناف النقاش حول مشروع الممر. وأكد الاتفاق على إنشاء ممر عبور استراتيجي يربط أذربيجان بمنطقة “نخجوان” عبر الأراضي الأرمينية، تحت إشراف دولي مع الحفاظ على سيادة أرمينيا، ما يفتح فرصًا اقتصادية جديدة ويعزز النفوذ الأميركي في المنطقة.
سعت واشنطن من خلال القمة الأخيرة إلى خلق توازن نفوذ في المنطقة، إذ ترى من خلال دعمها للممر فرصة في تقليص الدورين الإيراني والروسي في جنوب القوقاز، وضمان خطوط نقل بديلة إلى أوروبا. كما تعتبره أداة جيوسياسية أكثر من كونه مشروعاً اقتصادياً بحتاً، فهو يمنحها موطئ قدم للتحكم في جنوب القوقاز ودعم حلفائها في المنطقة.
هل يشكل الممر خطراً على إيران؟
تشترك أذربيجان مع إيران في روابط تاريخية وثقافية عميقة. ويقيم في إيران ملايين الأذربيجانيين، أكبر أقلية عرقية بعد الفرس. رغم ذلك، شهدت العلاقات بين البلدين توترات، بسبب العلاقة الوثيقة بين أذربيجان و”إسرائيل”، العدو الأول لإيران، والدعم الإيراني لأرمينيا في حرب ناغورنو قرة باغ 2020.
تعتبر إيران من أبرز المعارضين لمشروع ممر “زنغزرو”. إذ ترى فيه تهديداً لنفوذها في جنوب القوقاز وتقليصاً لدورها كمركز عبور إقليمي. وتعزز المخاوف الإيرانية التحالف بين أذربيجان و”إسرائيل”، إذ تربطهما شراكة استراتيجية قوية تشمل التعاون العسكري والأمني، بالإضافة إلى مصالح مشتركة في مجال الطاقة، حيث توفر أذربيجان النفط والغاز لكيان الاحتلال الإسرائيلي، بينما تزود “إسرائيل” أذربيجان بالأسلحة المتقدمة، وهو ما تجلى بشكل واضح في حرب ناغورنو قرة باغ 2020.
وقد برزت التوترات بين إيران وأذربيجان بعد التصعيد الأخير بين إيران و”إسرائيل”، حيث اتهمت إيران أذربيجان بتقديم دعم استخباراتي لـ”إسرائيل”. ووفقًا لتقارير إعلامية إيرانية، يُزعم أن الأراضي الأذربيجانية استُخدمت في عمليات إسرائيلية ضد إيران، بما في ذلك تنفيذ اغتيالات وتشغيل طائرات مسيّرة عبر المجال الجوي للممر.
ويشير المراقبون إلى أنه في حال حدوث أي تصعيد، قد تستغل أذربيجان وجود شبكتها الاستخباراتية في شمال غرب إيران، حيث يتركز عدد كبير من الأذربيجانيين الإيرانيين، لتنفيذ عمليات محدودة أو جمع معلومات استخباراتية. هذه المخاوف تأتي في سياق العلاقات المعقدة بين البلدين، والتي تتأثر بالعلاقات المتنامية بين أذربيجان و”إسرائيل” على الصعيد العسكري والاستخباراتي.
“باكو” ودبلوماسية إيران
جاءت زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى أذربيجان، عقب الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي إستمرت 12 يوماً، في توقيت حسّاس تعيشه منطقة جنوب القوقاز. ورغم تركيز خطابه في قمة منظمة التعاون الاقتصادي “إيكو” في مدينة خانكندي، على إدانة العدوان الإسرائيلي، تجنب بزشكيان الخوض علناً في المزاعم حول فتح الأجواء الأذربيجانية للطائرات الإسرائيلية، مكتفياً ببحث الأمر مع الرئيس إلهام علييف عبر إتصال هاتفي. هذا الموقف يعكس خيار طهران بتبني مقاربة دبلوماسية لتفادي تفجير العلاقات، في وقت ترى فيه أن مشروع ممر “زنغزور” ـ خاصة بعد الإتفاق الأخير الذي وضع الممر تحت رعاية أميركية لمدة 99 عاماً ـ قد يتحول إلى منصة لتوسع النفوذ الإسرائيلي والأميركي في القوقاز. وهو ما أكده أيضاً مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي بتحذيره من أن أي ممر برعاية واشنطن سيشكل تهديداً للأمن الإقليمي ويعيد رسم الخريطة الجيوسياسية.
يعيد ممر “زنغزور” إلى الواجهة تصورات “ماكيندر” حول أهمية “قلب العالم”، مؤكداً أن أوراسيا ما تزال مركزاً استراتيجياً يمكن من خلاله التأثير على النظام العالمي. فهل ستتمكن “إسرائيل”، بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، من تعزيز نفوذها وتحجيم النفوذ الإيراني في أوراسيا؟ وهل ستشهد المنطقة تصعيدات أوراسية جديدة تقلب موازين القوى؟
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط