في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف من تحوّل الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية إلى واقع طويل الأمد، ومن فرض شروط سياسية وأمنية جديدة على لبنان تحت ضغط التهديد العسكري، تتكاثر في الداخل الأزمات والخلافات التي تستنزف ما تبقى من قدرة الدولة على المواجهة والتفاوض. وهو تزامن يصعب التعامل معه بوصفه تفصيلاً عابراً، ولا سيما في ظل الضغوط الأميركية المتزايدة لإعادة رسم التوازنات اللبنانية، ومحاولات حصر النقاش الداخلي في ملف سلاح “حزب الله”، بمعزل عن الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال والضمانات المطلوبة لوقفهما.
وفي هذا السياق، لا تبدو الأزمة الحكومية الأخيرة، على خلفية شحنة متفجرات ضهر البيدر، مجرد خلاف على إحالة ملف إلى المجلس العدلي، أو على صلاحيات الحكومة في التعامل مع قضية أمنية خطيرة. فطريقة إدارة الخلاف وتوقيت التصعيد يطرحان أسئلة تتجاوز الملف نفسه، خصوصاً بعدما تحوّل إلى مادة لمواجهة سياسية مفتوحة، تضاف إليها أزمة الكهرباء ومقاطعة وزير الطاقة جو الصدّي جلسات الحكومة، وصولاً إلى مقاطعة وزراء “القوات اللبنانية” الجلسة الأخيرة.
وكان مجلس الوزراء قد أرجأ، في جلسته السابقة، البت في طلب وزير العدل عادل نصّار إحالة قضية المتفجرات إلى المجلس العدلي، بانتظار استكمال التحقيقات. وأثار القرار اعتراض “القوات اللبنانية”، التي اعتبرت أن التأجيل المتكرر يفرغ المسألة من مضمونها، قبل أن تقرر مقاطعة الجلسة التالية احتجاجاً على عدم إدراج الملف على جدول أعمالها، رغم تخصيصها لمناقشة أزمة النفايات.
لكن رئيس الحكومة نواف سلام كان قد أبدى، خلال الجلسة السابقة، موقفاً متشدداً من قضية المتفجرات، مؤكداً حصرية السلاح بيد الدولة، ومشدداً على خطورة نقل السلاح والمتفجرات خارج المؤسسات الشرعية. وفي الوقت نفسه، اعتبر أن انسحاب وزراء “القوات اللبنانية” من الجلسة يمثّل “خطوة شعبوية”، في إشارة إلى أن التصعيد السياسي لا يخدم معالجة القضية، ولا ينسجم مع دقة المرحلة التي يمر بها البلد.
وبصرف النظر عن التباين في المواقف من الإحالة إلى المجلس العدلي، فإن تحويل الخلاف إلى مقاطعة مفتوحة يضع العمل الحكومي أمام مزيد من التعطيل، ويضيف أزمة سياسية إلى مجموعة أزمات متراكمة. كما أن إدخال ملف الكهرباء في سياق المقاطعة، في ظل مطالب وزير الطاقة المتعلقة بمستحقات مؤسسة كهرباء لبنان وتعويضاتها وكلفة إصلاح أضرار الحرب والتعرفة، يكشف اتساع دائرة الخلافات داخل الحكومة، في وقت يحتاج فيه البلد إلى الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي.
ولا تنفصل هذه التطورات عن مناخ سياسي يتسم بتصعيد المواقف وتبادل الاتهامات، وكأن الأولوية باتت تسجيل النقاط في الداخل، لا تحصين الموقف اللبناني في مواجهة الضغوط الخارجية. فبدلاً من بناء مساحة مشتركة بين القوى السياسية حول الملفات التي تمس السيادة والأمن ومستقبل الأراضي المحتلة، تتقدم الملفات الخلافية، ويُعاد فتح الاشتباكات السياسية على نحو يضعف قدرة الدولة على إنتاج موقف موحد.
والأكثر إثارة للقلق، أن هذا المسار يتزامن مع ضغوط أميركية لا تقتصر على المطالبة بحصر السلاح، بل تترافق مع مواقف وإجراءات تستهدف تضييق هامش الحركة اللبنانية، فيما لا يقابلها ضغط موازٍ وفاعل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة. وهنا تكمن المفارقة: يُطلب من لبنان التخلي عن أوراق قوته، فيما لا يحصل في المقابل على ضمانات واضحة تحمي أرضه وتمنع تكرار الاعتداءات أو تكريس الاحتلال.
ومن هذه الزاوية، يصعب تجاهل الأثر الذي تتركه بعض المواقف والخطوات السياسية الداخلية، سواء صدرت عن “القوات اللبنانية” أو غيرها من القوى، عندما تتحول الخلافات إلى أزمات مفتعلة أو تصعيد شعبوي يستهلك ما تبقى من قدرة المؤسسات على العمل.


