| جورج علم |
شاخت الديمقراطية. لبست كفن الاندثار. طفر القيح السياسي على جلد الأنظمة. أفل عصر العمالقة. وراحت وطاويط الليل تقلّد النسور الجارحة، وتطوف على البقايا لتلتهم ما تبقّى من فتافيت الوفرة. انتفض الشارع بأهله، واحتلت المظاهرات المطلبية الساحات الفرنسية، فاهتزّت أوروبا من ضفاف المتوسط حتى ضفاف الأطلسي. الجوع كافر، والعيش بالذل مهانة. وإذا لم يأتِ البحّار بالريح الساعفة للمركب، فلماذا هو “ريّس” يمسك بدفّة القيادة؟
تساوي الديمقراطية الأميركية اليوم 400 مليون دولار دفعها الرئيس دونالد ترامب ـ وفق اعترافاته الأولية ـ للحزب الجمهوري، كي يستوي على عكازه، ويدخل حرم الانتخابات النصفية الشهر المقبل، لعلّه يتمكّن من بلوغ مقاعد الصدارة.
حوّل ترامب “أمّ الديمقراطيات” في العالم إلى بورصة، وتحوّل إلى “مضارب بارع” في إدارة الأسهم في الأسواق العالمية، وفق تقلّبات مصالحه السياسية والاقتصادية. وحتى لا يلفح رذاذ المظاهرات في أوروبا الشارع الأميركي، استعان بـ”الديزل” الروسي لضبط “رقّاص” الأسعار، خصوصاً في مجالات الطاقة وانعكاساتها على السلع الغذائية والاستهلاكية.
ودبّ النعاس في “الديمقراطية الأوروبية”، وتراخت مفاصلها، وانهار عمودها الفقري أمام جوائح الأصوليات المتطرّفة، التي تجتاح صناديق الاقتراع، وتزرع الفوضى في كل مكان، وتحتل مراكز الريادة، وتستولي على مقاليد القيادة بفضل الشعارات الشعبوية.
ويهتك “فيروس” الأصوليات والشعبويات ما تمّ استجراره من ديمقراطية غربية إلى مولّدات الأنظمة في بعض الدول الشرقية. ويصبح السؤال مشروعاً ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ: ماذا بقي من ديمقراطية في تل أبيب، عندما يختار ترامب مسبقاً، وبطريقة استفزازية، بنيامين نتنياهو رئيساً لحكومة الاحتلال، قبل إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية، واستباق ما قد تفرزه من نتائج؟
ويقف العالم بأسره على رصيف التحوّلات الكبرى، ليودّع عصر الديمقراطيات الشفّافة، المنهارة تحت وطأة الاستبداد، والاعتداد بالقوة، وعرض العضلات، والخروج من تحت سقف النظام الدولي العام، والأمم المتحدة، ومنظماتها الناظمة، والتباهي بالغطرسة والفساد، وسياسة التاجر الفاجر الذي يأكل مال القاصر العاثر. كلّ ذلك توطئة لنظام وليد، وعصر جديد، إنه “عصر القياصرة”.
“القيصر الأميركي” جامح، طامح، طامع. يضع يده على فنزويلا، الدولة المستقلة العضو في الأمم المتحدة، فيخطف رئيسها من مخدعه، ويأتي به مخفوراً إلى نيويورك. ويصادر منابع الطاقة ومناجم الذهب الأسود، ويتحكّم بالقدرات والإمكانات الفنزويلية، من دون أن يرفّ له جفن، ومن دون أن يحرّك أحد ساكناً من قبل دول الأنظمة الديمقراطية العالية السقف والقدرات. لم تُسمع أي نبرة احتجاج من قبل أي مرجعية دولية صاحبة وزن وثقل، لا داخل الأمم المتحدة ولا خارجها، وكأن ما جرى طبيعي ومنطقي.
ولم يُدِر “القيصر الروسي” أذنه إلى أي صوت اعتراض عندما اقتحمت دباباته أوكرانيا تحت شعار “عملية عسكرية مؤقتة”، استمرّت حتى الآن أربع سنوات. ولا يزال النزف مستمراً، ومعه النزف الوجداني والأخلاقي والإنساني والحضاري. أين صوت العدالة؟ ماذا حلّ بقوسها وميزانها ومحرابها؟
ولم يُخفِ “القيصر الصيني” مطامعه بجزيرة تايوان. وليس هو على عجلة من أمره، ذلك أن عامل الوقت يصبّ في أوردة مصالحه. ويريد أن يحتكر أولاً أسواق العالم، ويضبط أنفاسه الاقتصادية، ويتحكّم بإمكاناته وقدراته بفضل مشروع “الحزام والطريق”.
ويسعى “القياصرة الثلاثة” إلى التفاهم على اقتسام جغرافيات المصالح في رياح الأرض الأربع. يتنادون إلى عقد “قمّة ثلاثية” في ما بينهم، على هامش “منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ” في مدينة شنتشن الصينية، يومي 18 و19 تشرين الثاني المقبل.
الصين هي الداعية، كونها البلد المضيف، وهي من يتولّى إعداد جدول الأعمال بالتنسيق والتشاور مع واشنطن وموسكو وبعض الدول “الحليفة”.
وتتصدّر “مشروع جدول الأعمال” ثلاثة عناوين.
الأول: إنهاء الحرب في أوكرانيا خارج عصمة الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي.
لقد ورد المقترح من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لبحث صيغة تفاوضية تنهي الصراع المستمر منذ أربع سنوات. وأنعشت رائحة “الديزل” واشنطن، فأبدت انفتاحاً على المقترح، وأرسل ترامب صهره جاريد كوشنر ومبعوثه ستيفن ويتكوف إلى النروج، للاجتماع بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والتفاهم معه حول المقترحات الروسية الجديدة.
وانتقل ويتكوف من النروج إلى موسكو ليتشاور مع بوتين حول ما تمّ التوصّل إليه في العاصمة النروجية. ويبدو أن هناك جديداً يُبنى عليه، قد يحظى بتواقيع “القياصرة الثلاثة” في شنتشن الصينية؟
أما العنوان الثاني، فيتناول الملف النووي ونزع السلاح. وهذا ما أكّد عليه الرئيس ترامب، مقترحاً أن تشكّل هذه الملفات أولوية على جدول أعمال القمة، في حال انعقادها، وأن يكون التركيز الأساسي على ترسانات الأسلحة النووية، والحدّ من التسلّح عالمياً، والعودة إلى الاتفاقيات المبرمة، وإحيائها من الرميم، والعمل بموجباتها.
ويتمحور العنوان الثالث حول الأمن الجيوسياسي، والطاقة، وأزمة الممرات، وضرورة التوصّل إلى استقرار أسواق المحروقات العالمية، ومعالجة الأزمة الإيرانية لتحرير حركة التجارة من العوائق التي تعترضها.
ويبدو أن “صفقة الديزل الروسي” لصالح الولايات المتحدة قد حرّكت مسار “الصفقات” لمعالجة الأزمات الدولية. وظهر نوع من التفاهم على تقاسم الأدوار، بحيث يفعّل “القيصر الأميركي” ضغوطه على الرئيس الأوكراني لفرض تسوية يقبل بها “القيصر الروسي”، على أن يتولّى الأخير محاولة تدوير الزوايا الحادة مع الإيراني لمعالجة الأزمة الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية.
وليس في القول مبالغة عند الحديث عن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران مؤخراً، بعد انقطاع طويل بدأ مع بداية الحرب، وتسويقه لدور تضطلع به موسكو للمساعدة على حلّ الأزمة التي لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.
وعندما يتلاشى “العصر الديمقراطي” أمام جوائح “العصر القيصري”، تسقط كل الحسابات السابقة، وتحتبس الأنفاس لمعرفة نوعية الحسابات والصفقات الجديدة!


