الرئيسيةSliderالحرب على الأبواب؟

الحرب على الأبواب؟

تتزايد المؤشرات المقلقة في المنطقة، من التحذيرات الأمنية الأميركية إلى تقليص الوجود الدبلوماسي في بعض دول الخليج، مروراً بتعثر المفاوضات مع إيران، وصولاً إلى التصريحات المتناقضة للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

لكن هل تعني هذه التطورات أن مواجهة عسكرية واسعة باتت وشيكة، أم أننا أمام مرحلة جديدة من الضغط المتبادل الذي قد ينتهي إلى التفاوض بدلاً من الحرب؟

يوم أمس، أمرت الولايات المتحدة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم بمغادرة بعثتها في السعودية، فيما أفادت تقارير بأن بعثات أميركية أخرى في الخليج تستعد لإجراءات مماثلة بحق أفراد عائلات الموظفين. وجاءت هذه الخطوة على خلفية تصاعد هجمات الحوثيين على أهداف سعودية، بما فيها منشآت مدنية وحيوية. كذلك حذّرت السفارات الأميركية في عدد من دول المنطقة مواطنيها من مخاطر أمنية ومن احتمال إلغاء رحلات جوية أو إغلاق أجواء.

لا يمكن تجاهل دلالات هذه الإجراءات، وإن كانت لا تثبت، بحد ذاتها، أن قراراً أميركياً بشن هجوم جديد على إيران قد اتُّخذ.

وتزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى سلوك ترامب نفسه. فالرئيس الأميركي يواصل التلويح بالخيار العسكري، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام التفاوض. وقد أعلن قبل ساعات أنه لم يحسم بعد الطريقة التي يريد بها تحقيق النتيجة التي يسعى إليها، فيما أكدت طهران استمرار الاتصالات غير المباشرة عبر وسطاء، رغم الخلافات حول شروط وقف إطلاق النار ورفع الحصار والعقوبات.

هذا التباين لا يتيح استخلاص نتيجة حاسمة. فقد يكون التهديد العسكري وسيلة لرفع سقف المطالب الأميركية، وقد يعكس استعداداً فعلياً لتوسيع العمليات إذا فشلت المفاوضات. وقد يجمع الأمرين معاً، بحيث تبقى الدبلوماسية قائمة فيما تستمر الاستعدادات العسكرية.

والمشكلة أن تصريحات ترامب لا تكشف بالضرورة عن قرار نهائي، كما أن تغيير لهجته لا يعني تلقائياً أنه غيّر أهدافه. لذلك، فإن التعامل مع كل تصريح باعتباره إعلاناً عن الخطوة المقبلة قد يقود إلى استنتاجات متسرعة.

أما في كيان الاحتلال الإسرائيلي، فتتداخل الحسابات العسكرية مع الاستحقاق الانتخابي المقرر في 27 تشرين الأول. وقد يكون لدى بنيامين نتنياهو ما يدفعه إلى محاولة إظهار أن المواجهة مع إيران لم تنتهِ، وأن الخطر الإيراني لا يزال يتطلب تحركاً عسكرياً. لكن الحرب ليست مكسباً انتخابياً مضموناً؛ فإذا لم تحقق نتائج استراتيجية واضحة، أو إذا أدت إلى خسائر إسرائيلية وأضرار واسعة وتعطيل الحياة اليومية، فقد تتحول إلى عبء سياسي عليه.

وثمة احتمال آخر يستحق البحث، وإن لم تتوافر أدلة تثبت أن نتنياهو يتبناه: أن يؤدي تعادل المعسكرات السياسية وعجزها عن تشكيل حكومة إلى مأزق داخلي، فيراهن على أن تطورات أمنية كبرى قد تغيّر أولويات الناخبين قبل انتخابات جديدة. غير أن هذا يبقى سيناريو افتراضياً، لا دليلاً على وجود خطة لتأجيل الانتخابات أو استخدام الحرب لتحقيق ذلك.

كما أن حسابات نتنياهو ليست بالضرورة مطابقة لحسابات ترامب. فقد يرى رئيس الحكومة الإسرائيلية أن التصعيد يخدم أهدافاً إسرائيلية، فيما يفضّل الرئيس الأميركي احتواء المواجهة أو تأجيل توسيعها، ولا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 تشرين الثاني. وقد كشفت تقارير سابقة عن نقاشات داخل الإدارة الأميركية حول تجنب تصعيد واسع قبل الانتخابات، لكن ذلك لا يشكل ضمانة بأن واشنطن ستلتزم بهذا الخيار إذا تبدلت الظروف.

ما الذي قد يدفع نحو الحرب؟

ثمة عوامل يمكن أن تسرّع التصعيد: انهيار المفاوضات، أو وقوع هجوم كبير يسقط ضحايا أميركيين، أو تقدير عسكري بأن تطوراً إيرانياً يستوجب تحركاً عاجلاً. وفي المقابل، يمكن أن تدفع كلفة الحرب الاقتصادية والعسكرية، ومخاطر استهداف القواعد والمنشآت الحيوية في الخليج، والقلق من اضطراب الملاحة والطاقة، نحو احتواء المواجهة.

ولا يمكن افتراض أن حرباً جديدة ستؤدي إلى انهيار النظام الإيراني. فهذا هدف مختلف تماماً عن إلحاق أضرار عسكرية بإيران، ويتطلب تقديراً مستقلاً لما يمكن تحقيقه وما قد يترتب على الفشل في تحقيقه. فالحرب التي لا تنتهي بتغيير استراتيجي واضح قد تفتح الباب أمام جولات أخرى بدلاً من أن تحسم الصراع.

قد تكون التحذيرات الأميركية وإجراءات إجلاء بعض الموظفين مؤشراً إلى أن واشنطن تأخذ احتمال اتساع المواجهة بجدية أكبر.

لهذا، فإن السؤال ليس فقط ما إذا كانت الحرب قد اقتربت، بل ما إذا كان أي من الطرفين قد اتخذ قراراً لا رجعة فيه، وما إذا كانت التحركات الراهنة تمهّد لتنفيذه أم تهدف إلى انتزاع تنازلات من الطرف الآخر.

حتى الآن، لا تكفي الوقائع المتاحة للجزم بأحد الاحتمالين، وإن تقدّم احتمال الحرب. وما يمكن قوله هو أن مخاطر التصعيد جدية، وأن هامش الخطأ في الحسابات ضيق، لكن التنبؤ بموعد الحرب أو حتميتها يبقى في صندوق الحسابات الانتخابية لكل من ترامب ونتنياهو.

شريط الأحداث