لم يتلقَّ لبنان، حتى الآن، تأكيداً نهائياً لموعد الجولة الثامنة من المفاوضات المُرتقبة مع العدو الإسرائيلي في فلوريدا، المُقرَّر انعقادها في 20 الشهر الجاري، كما لم يُحسم مستوى المشاركة فيها، وما إذا كانت ستقتصر على الجانب العسكري أم تجمع بين العسكري والسياسي.
لكن السلطة اللبنانية قرّرت، وفق المُعطيات المتوافرة، الدخول إلى الجولة بمقاربة تفاوضية أوسع من مجرّد تثبيت وقف إطلاق النار، لتشمل ملفات أكثر تعقيداً، من الانسحاب الإسرائيلي وإطلاق الأسرى اللبنانيين، إلى توسيع انتشار الجيش والبحث في صيغة دولية تحلّ محل قوات “اليونيفيل” بعد انتهاء ولايتها.
وتتعامل السلطة مع هذه الجولة باعتبارها فرصة لإعادة تحريك “اتفاق الإطار” وإخراجه من حالة المُراوحة، في ظل رهان على دور أميركي قادر على دفع الأطراف نحو ترتيبات أكثر وضوحاً.
ويسوّق مقرّبون من رئيس الحكومة نواف سلام أن بيروت تدخل هذه الجولة مستفيدة من الحضور السياسي الذي أمكن تأمينه في واشنطن، ومن الاتصالات التي أجرتها الحكومة اللبنانية مع الإدارة الأميركية خلال مشاركتها في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحسب ما ذكرت صحيفة “الأخبار”.
ويشير هؤلاء إلى أن لبنان سيربط بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، وحصرية السلاح بيد الدولة، باعتبار أن هذه الملفات يفترض أن تتحرك بالتوازي لا بصورة منفصلة. لكن اتساع جدول المطالب لا يعني بالضرورة ارتفاع فرص تحقيقها. فالكثير من الملفات المطروحة تبقى مرتبطةً بالموقف الإسرائيلي والدور الأميركي وطبيعة التفاهمات التي يمكن التوصّل إليها، فيما لا تزال تفاصيل أساسية عالقة، ولا سيما ما يتعلق بالوجود الإسرائيلي في بعض المناطق وآليات التحقّق من تنفيذ أي تفاهم جديد.
وتبدو المفاوضات أمام اختبار يتجاوز اجتماع فلوريدا نفسه. فلا شيء، حتى الآن، يضمن الحصول على التزامات مُحدّدة وقابلة للتنفيذ، فيما أظهرت التجارب السابقة أن الفجوة بين التفاهمات السياسية وتطبيقها على الأرض لا تزال واسعة، بما يُبقي الجنوب عرضة لترتيبات مؤقّتة لا توفّر للبنان الضمانات التي يسعى إليها. وبهذا المعنى، يبدو أن السلطة تراهن على مسار تفاوضي لم تتوافر له بعد شروط النجاح، إلّا إذا كان هناك من يريد، في المقابل، مساعدة واشنطن على تبرئة “إسرائيل” من مسؤولية تعطيل المسار، ومنحها غطاءً سياسياً لما تقوم به من اعتداءات ورفض للانسحاب.
الإنجاز التفاوضي لا يُقاس بعدد البنود التي يحملها الوفد إلى طاولة المفاوضات، بل بما يتحوّل منها إلى اتفاق واضح، وبما يرافقه من جدول زمني وآلية تنفيذ وضمانات. أمّا إبقاء الملفات في إطار الطروحات والوعود، فيعني أن لبنان لا يزال في مرحلة التفاوض، مهما ارتفع منسوب التفاؤل السياسي المحيط بالاجتماع. وهو تفاؤل غير مُبرّر، ولا سيما أن ما يُسمّى “اتفاق الإطار” بين لبنان و”إسرائيل” لم يتحوّل حتى الآن إلى آلية تضمن ترجمة التفاهمات إلى واقع على الأرض. فبعدما حصلت “إسرائيل” على ما أرادته، لم تنتج التفاهمات القائمة واقعاً يضمن وقف الاعتداءات أو حماية اللبنانيين.
وعلى الأرض، لا تزال الصورة مختلفة: قصف وقتل واستهداف للمدنيين، وتدمير للمنازل والمُنشآت الرسمية، وضرب للبنى التحتية وشبكات المياه، وتفجير للآبار الارتوازية في عدد من البلدات، فضلاً عن العبث بمعالم المناطق ومنع السكان من العودة إلى قراهم، وصولاً إلى استهداف الجيش اللبناني ومواقعه. وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو الرهانات على تنازلات إسرائيلية كبيرة أمراً منطقياً، فما لم تقدّمه حكومة بنيامين نتنياهو حتى الآن لن تقدّمه قبل الانتخابات الإسرائيلية بأسبوع.
لذلك، تبدو الجولة 8، وأياً كان طابعها، عسكرياً أو سياسياً، هي في سياق ما قاله الرئيس السابق لـ”الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط “مفاوضات من أجل المفاوضات”.
وفي موازاة ذلك، ناقش رئيس الوفد اللبناني إلى المفاوضات سيمون كرم مع الإدارة السياسية في الفاتيكان إمكان اضطلاع البابا لاوون بدور في الضغط على الجانب الأميركي لدفع “إسرائيل” نحو خطوات كبيرة في ملف الانسحاب.
وبحسب المُعطيات، أبلغ كرم الجانب الفاتيكاني أن استمرار الوضع على حاله قد يعزّز سردية “حزب الله” القائلة بعدم جدوى المفاوضات، وأن المسار القائم بصيغته الحالية لا يبدو كافياً للوصول، في وقت قريب، إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب، أو إلى تحرير الأسرى اللبنانيين وتأمين عودة النازحين إلى قراهم.


