الرئيسيةSliderالصورة المعلّقة على جدار العلاقات "المعلّقة"!

الصورة المعلّقة على جدار العلاقات “المعلّقة”!

| جورج علم |

بلغت العلاقات اللبنانية ـ الإيرانية مرحلة الاستدراك قبل تكريس الافتراق وإعلان الطلاق.

لا رئيس الحكومة نواف سلام يملك قوة الصدم، ولا الرئيس مسعود بزشكيان يملك قرار الحسم. لكن لقاءهما في نيويورك فرضته الضرورة أكثر مما فرضته بهرجات الصورة.

الأزمة الصامتة المتفاعلة أبعد من استبدال سفير. إنها أزمة قرار وخيار. فلا القرار لدى طهران مكتمل المواصفات طبقاً للرغبات التي يريدها لبنان، ولا الخيار المتاح أمام لبنان يتطابق مع رغبات النظام في طهران.

ما يريده لبنان أن تكون العلاقة بين دولة ودولة. وما تريده طهران أن تكون الدولة في لبنان متحررة من الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية، وجزءاً متمماً لاستراتيجيتها المترامية الأطراف في الشرق الأوسط. لذلك تبخّر رحيق الاجتماع، وبقي الخبر مقتصراً على الصورة!

وهذا “القليل” ليس بقليل على الإطلاق. يكفي أن تترك الصورة انطباعاً بأن الباب مفتوح، والتواصل ممكن، والجسر ما بين بيروت وطهران متاح، وقابل للترميم إذا ما صفت النوايا، وصدقت الوعود والعهود.

ولكن هل الترميم ممكن ومتاح؟

مع الأسف، ليس الأوان أوانه لغاية الساعة. ما يريده لبنان أن تتخلى إيران عن التزاماتها المعلنة، وتساعد الحكومة على وضع ما جاء في بيانها الوزاري موضع التنفيذ على أرض الواقع، خصوصاً لجهة حصر السلاح، وتفعيل الاتفاقيات المبرمة بين المؤسسات الرسمية في كلا البلدين.

وما تريده إيران في هذه المرحلة المصيرية هو تعزيز مقومات صمودها، وتفعيل دفاعاتها لمواجهة الحرب التغييرية التي تشنّها عليها كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

لكن ما يُبنى عليه أن هذه المعادلة لا هي ثابتة، ولا جامدة. فالأرض تميد. والبركان ناشط. والحرب لم تضع أوزارها. والقنوات الدبلوماسية شغّالة. وما هو مستحيل الآن قد يصبح ممكناً غداً. وهذا العصف المتمادي، والمفتوح على كل الاحتمالات، يكسب “الصورة” رمزية أكبر من تلك المستحقة لغاية الآن، ويمنحها تأشيرة يمكن أن تستخدمها الحكومة لتنطلق من “الشرنقة” الأميركية ـ الإسرائيلية، إذا ما تحولت من الاحتواء إلى محاولة إخناق واختناق!

يكفي القول إن لقاء سلام ـ بزشكيان ترك جدلاً واسعاً داخل الإدارة الأميركية، وتحليلات ومقاربات لا تزال ناشطة لغاية الآن في العديد من عواصم الدول صاحبة المصالح في الشرق الأوسط.

لم تكن واشنطن راغبة في حصول اللقاء، ولا مؤيدة لـ”الصورة”، ولا لموجبات الضرورة.

ولا يمكن القول إنها فوجئت بحصوله، ولكنها بالتأكيد مستنفرة لكبح مفاعيله. وهي قادرة، كونها متمكّنة، أو أكثر من ذلك، إنها المتحكّمة بمفاصل القرار اللبناني. لكن هذا التحكّم بدأ يقضم من رصيد السلطة، ويعرّي الحكومة أمام شعبها، فلا المفاوضات المباشرة رسملت، لغاية الآن، خياراتها وعزّزت مصداقيتها، ولا “اتفاق الإطار” شكّل خشبة الخلاص، ووفّر سترة النجاة كي لا تغرق وسط الأمواج المتلاطمة.

يزور الرئيس سلام الجنوب، ويُستقبل بالترحاب، ويطلق الشعارات المطمئنة، ويعلّق الجنوبيون الآمال العريضة على وعوده، على أمل أن تباشر الحكومة بتطبيقها فوراً. لكن هذه الوعود ليست “غب الطلب” وفق “الحاسوب” الأميركي. ولبنان ليس أولوية على دفتر الحسابات الأميركية، إنه جزء متمم لاستراتيجية واشنطن التي تشمل الشرق الأوسط بتضاريسه وخفايا كواليسه. وهذه الخفايا تطلق بدورها علامات استفهام مشروعة حول أربعة مرتكزات أساسية يستند إليها المفاوض اللبناني:

المرتكز الأول: رفض لبنان أن يحاور غيره عنه. لكن هل الحوار الذي يخوضه مضمون الجوانب، ويمكن أن يؤدي إلى تحقيق الأهداف المرسومة؟

لقد أصرّ أن يحاور عن نفسه. وهذا حقّه الطبيعي، لا بل واجبه السيادي. ولكن ما هي الضمانات إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينام على وعود، ويستيقظ على عكسها في اليوم التالي؟

الثاني: غابت عن خطابات ترامب مصطلحات أساسية من وزن “الحرص على استقلال لبنان، وسيادته، ووحدة وسلامة أراضيه”، أو “الإصرار على مساحة الـ10452 كيلومتراً مربعاً، دون أي بتر أو اجتزاء”!

الثالث: الحرص الأميركي ـ لغاية الآن ـ على الفراغ الأمني في الجنوب. لا يريد بقاء قوات “اليونيفيل”. لا يريد قوات أوروبية، أو متعددة الجنسيات بإشراف الأمم المتحدة. ما يريده نوع من ترتيبات أمنية تحظى بموافقة إسرائيلية بإشرافه، خلافاً للموقف اللبناني الرسمي الذي يتشبث ببقاء “اليونيفيل”، أو يطالب باستبدالها بقوات أوروبية ـ متعددة بإشراف الأمم المتحدة.

الرابع: إن السياسة الأميركية المتبعة تقول الشيء، وتأتي بعكسه. تقول برفض الربط بين المسار اللبناني والمسار الإيراني ـ الأميركي ـ الإسرائيلي. لكن من الوجهة العملية هناك ربط محكم بين المسارين بإرادة أميركية، لأن إدارة ترامب تعطي الأولوية لمضيقي “هرمز” و”باب المندب”، وممرات الطاقة، والناقلات، والكميات المبحرة، وانعكاساتها على الأسعار في أسواق الاستهلاك، و”الصفقة” التي تريدها مميزة مع إيران، فيما تترك ملف لبنان مجرد سهم في بورصة بنيامين نتنياهو الانتخابية، حتى إشعار آخر.

وإذا كان المناخ العام من المحيط حتى الخليج يصرّ على “الصفقة ـ التسوية”، ويرفض التصعيد والحرب والتدمير ونسف الخطط الإنمائية التطورية التحديثية الناشطة في دول النفط، فإن “الصورة” المعلّقة على جدار العلاقات اللبنانية ـ الإيرانية، والتي تجمع الرئيسين سلام وبزشكيان، تصبح حاجة وضرورة للحد من الخسائر، والتقليل من الأضرار الأمنية والسياسية والاقتصادية، وفتح صفحة جديدة من العلاقات لا تقتصر على تغيير سفير، بل على تغيير نهج وسلوك وتفكير جدّي بـ”دجاجة” المصالح المشتركة التي قد تبيض ذهباً على الدولتين والشعبين.

وإذا لم يعطِ ترامب أولوية مستحقة للمسار اللبناني التفاوضي، ولـ”اتفاق الإطار” الذي ولد في حاضنة مكتبه، وبرعايته، ويريد أن يأخذ هذا اللبنان “بخرجه” على صهوة حصانه، لإبرام صفقة مع إيران، فالأولوية والمصلحة الوطنية تقضيان بإنزاله من “الخرج”، والذهاب حراً واثق الخطى نحو طهران ليتفاهم معها حول مواصفات العلاقات التي تحاكي تحديات “اليوم التالي” في الشرق الأوسط الكسيح، والذي تمعن فيه الغطرسة الأميركية تفقيراً وتجويعاً، والغطرسة الإسرائيلية تدميراً وتهجيراً!

شريط الأحداث