منذ بدء تطبيق قرار رفع أسعار المحروقات في سوريا، دخلت البلاد في موجة احتجاجات امتدت إلى محافظات ومناطق عدة، وسط اعتراضات على انعكاسات القرار على النقل والخبز والخدمات والقدرة الشرائية، قبل أن تدفع الاحتجاجات الحكومة إلى تقديم تسعيرة مخفّضة للمازوت لبعض القطاعات.
وبدأت الاحتجاجات الأحد 13 أيلول، مع دخول التسعيرة الجديدة حيّز التنفيذ. وارتفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية، أي بنسبة 40%، فيما ارتفع سعر بنزين 95 أوكتان من 152 إلى 195 ليرة، وبنزين 90 أوكتان إلى 185 ليرة، إلى جانب زيادات أخرى على بعض أنواع المحروقات والغاز. وقالت الحكومة إن الزيادات مؤقتة، وربطتها بارتفاع كلفة استيراد المشتقات النفطية والظروف الاستثنائية في أسواق الطاقة.
ومع بدء تطبيق الأسعار الجديدة، خرجت احتجاجات في عدد من المحافظات، بينها درعا وحلب وإدلب وحماة وريف دمشق والرقة ودير الزور والحسكة. وشهدت بعض المناطق قطع طرق وإشعال إطارات وتعطيل حركة النقل، فيما تحولت المطالب في بعض التحركات من رفض رفع الأسعار إلى المطالبة بإقالة وزير الطاقة محمد البشير.
وفي اليوم التالي، الاثنين 14 أيلول، اتسعت رقعة التحركات، خصوصاً في شمال شرقي سوريا. واستمرت الاحتجاجات في الحسكة ودير الزور والرقة، مع قطع طرق رئيسية ودولية تمر عبرها حركة النقل وصهاريج النفط.
وفي مناطق أخرى، انعكس ارتفاع سعر المازوت سريعاً على قطاع الأفران، مع توقف عدد من المخابز عن العمل بسبب ارتفاع كلفة التشغيل، ما جعل أزمة المحروقات مرتبطة مباشرة بسعر الخبز والخدمات الأساسية، وليس فقط بكلفة النقل.
الثلاثاء 15 أيلول، انتقلت الاحتجاجات إلى مدينة القامشلي، حيث تظاهر مئات الأشخاص في المدينة ذات الغالبية الكردية، رافعين شعارات من بينها “لا لسياسة التجويع”، و”حافظوا على قوت الشعب”، و”لا لرفع أسعار المحروقات”، كما ردد متظاهرون “نفطنا ملك الشعب”. وتزامنت التحركات مع احتجاجات في مناطق أخرى من سوريا.
وفي شمال شرقي البلاد، لم تكن قضية الأسعار منفصلة عن واقع اقتصادي وسياسي أكثر تعقيداً. فقد أدى رفع الأسعار إلى زيادة التوتر في مناطق كانت تعتمد سابقاً على دعم أكبر للمحروقات، فيما جاء القرار بالتزامن مع مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية والمؤسسات التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية. وفي 16 أيلول، أغلق محتجون طريق M4 قرب تل تمر، ما أدى إلى توقف مئات شاحنات نقل النفط، مطالبين بالتراجع عن الزيادة.
وفي 17 أيلول، استمرت التحركات، ولا سيما في الحسكة، حيث أقدم محتجون على قطع طرق وإشعال الإطارات، وطالبوا بتأمين المازوت المخصص للأفران والنقل العام ومولدات الكهرباء بأسعار أدنى.
وبالتزامن مع استمرار الاحتجاجات، بدأت الحكومة السورية باتخاذ خطوات لاحتواء تداعيات القرار. وأعلن وزير الطاقة محمد البشير الخميس 17 أيلول اعتماد ثلاثة أسعار للمازوت بحسب نوعه واستخدامه: 115 ليرة سورية لليتر للتدفئة والزراعة وبعض الفئات المؤهلة، و150 ليرة للقطاعات الإنتاجية والخدمية والآليات الثقيلة، فيما بقي المازوت القياسي عند 175 ليرة لليتر. وبقيت أسعار البنزين والغاز على التسعيرة الجديدة.
وقالت الحكومة إن المازوت القياسي يُباع حالياً بأقل من كلفته، التي قدّرها وزير الطاقة بنحو 206 ليرات لليتر، فيما لم يتضح بعد حجم كلفة الدعم الجديدة أو المدة التي ستستمر خلالها. ويُعد القرار تراجعاً جزئياً عن الزيادة التي أشعلت الاحتجاجات، من دون إلغاء التسعيرة الأساسية بالكامل.
أما يوم الجمعة 18 أيلول، فتأتي الصورة بعد الإعلان عن الأسعار المخفّضة للمازوت، فيما لا تزال تداعيات القرار حاضرة في عدد من المناطق، ولا سيما شمال شرقي سوريا. ويشير مسار الأيام الماضية إلى أن القضية تجاوزت مجرد تعديل سعري للمحروقات، بعدما انعكست على النقل والأفران والخدمات، ودفعت إلى احتجاجات امتدت إلى مناطق مختلفة من البلاد.
وبذلك، تدخل أزمة المحروقات السورية مرحلة جديدة: الحكومة خففت جزءاً من الزيادة عبر اعتماد شرائح سعرية للمازوت، لكنها أبقت السعر القياسي عند 175 ليرة، فيما يبقى السؤال الأساسي حول قدرة هذه الإجراءات على تهدئة الاحتجاجات واحتواء آثار ارتفاع كلفة الطاقة على الحياة اليومية.


