مع اقتراب الحرب على إيران من شهرها السابع، تبدو تداعيات المواجهة أبعد من أن تكون في طريقها إلى الانحسار، في وقت يواجه فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مأزقاً متفاقماً من دون مسار واضح للخروج منه.
ورغم أن ترامب قد أعلن مع بدء الحرب ومقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، أن القصف سيستمر “طوال الأسبوع”، لإحلال ما زعم أنه “السلام في الشرق الأوسط”، إلا أن المشهد بعد نحو نصف عام يبدو مختلفاً تماماً، إذ ازدادت الاضطرابات واتسعت تداعياتها الاقتصادية والأمنية إقليمياً وعالمياً.
وتطرق تحليل مطول نشرته وكالة “رويترز” إلى الكلمة التي ألقاها الرئيس ترامب أمام الأمم المتحدة قبل عام، والتي أشاد فيها بالقصف الأميركي للمواقع النووية الإيرانية الذي كان قد وقع قبل ذلك بأشهر قليلة فقط، قائلاً إنه “دمر كل شيء تماماً” وحقق السلام بين “إسرائيل” وإيران.
ولكنه سيواجه اليوم شكوكاً من القادة عند عودته إلى المنظمة الدولية يوم الثلاثاء، بسبب ستة أشهر من الحرب بين القوات الأميركية وبين إيران التي اكتسبت جرأة أكبر، وبسبب تفاقم الاضطرابات بالمنطقة والتهديد النووي الذي لم ينتهِ على الرغم من تصريحات ترامب السابقة.
وأوضحت الوكالة أنه وعلى الرغم من تعرض طهران لضربات عسكرية واقتصادية، إلا أنها تواصل التحدي؛ إذ عرقلت شحن النفط عبر مضيق هرمز، واكتسبت في الأيام القليلة الماضية نفوذاً جديداً مع تشديد الحوثيين في اليمن قبضتهم على ممر مهم للشحن في البحر الأحمر، وهو ما أدى إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الطاقة العالمية.
ووضع التقدم السريع للمسلحين الحوثيين ترامب في مأزق أكبر يتعلق بالحرب التي ما عادت تحظى بشعبية في الولايات المتحدة، كما وجّه ضربة إلى حليفتها السعودية وكشف عن حدود قدرة واشنطن على حماية شركائها بالمنطقة.
كما تأتي هذه التطورات في وقت رفض فيه معظم الحلفاء الأوروبيين والآسيويين مطالب ترامب بتقديم المساعدة في صراع بدأه هو دون استشارتهم، وكان له تداعيات أضرت باقتصاداتهم.
ومع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة وانخفاض معدلات تأييد الرئيس، قد يدفع ترامب الثمن في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني بسبب خطر فقدان الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه للسيطرة على الكونغرس.
ويقول آرون ديفيد ميلر، وهو مستشار سابق لشؤون سياسة الشرق الأوسط في إدارات أميركية للحزبين الجمهوري والديمقراطي: “نشهد ما يحدث عندما يشن رئيس حرباً اختيارية دون توقع التداعيات غير المقصودة”.
وفي كلمة ترامب أمام الاجتماع السنوي لرؤساء الدول والحكومات في نيويورك، من المرجح أن يصور مرة أخرى الحملة العسكرية، التي كان قد وعد بأنها ستنتهي في غضون أسابيع، على أنها انتصار.
لكن الصراع تحول بدلاً من ذلك إلى مأزق صعب وفشل في تحقيق أهدافه المتغيرة، بينما استنزف مخزونات الصواريخ لدى وزارة الحرب الأميركية.
وتفاقمت مشاكل ترامب بعد أن تغلب الحوثيون على قوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، واجتاحوا ساحل البحر الأحمر واستولوا على جزر واقعة عند مضيق باب المندب، وهو ممر ملاحي حيوي، مما يتيح لإيران زيادة تهديد إمدادات النفط العالمية.
ورداً على أسئلة لوكالة “رويترز”، قال مسؤول رفيع المستوى في إدارة ترامب إن الولايات المتحدة تركز على المصالح الأمنية مثل ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر “مع تمكين شركائنا الإقليميين من أخذ زمام المبادرة في إدارة التحديات الأمنية بالمنطقة وحلها”.
العام الماضي، لم تشغل إيران سوى حيزٍ صغيرٍ من كلمة ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسرد الرئيس حينها كيف أنه، قبل ذلك بثلاثة أشهر، أرسل قاذفات (بي-2) لإلقاء قنابل وزنها 30 ألف رطل “دمرت” قدرات طهران في تخصيب اليورانيوم.
ومع ذلك، خلص الخبراء إلى أن تلك الضربات لم تؤدِّ سوى إلى عرقلة خطيرة في البرنامج، وقال ترامب زاعماً: “ما كان بإمكان أي دولة أخرى على وجه الأرض أن تفعل ما فعلناه”.
كما قدم الرئيس الأميركي نفسه على أنه صانع سلام، وهو الذي خاض حملته الانتخابية متعهداً بتجنب التورط في صراعات عسكرية خارجية، مكرراً أنه أنهى صراعات في أنحاء العالم بما في ذلك حرب دامت 12 يوماً بين “إسرائيل” وإيران في عام 2025.
وانضم ترامب إلى كيان الاحتلال الاسرائيلي في شن ضربات على إيران في 28 شباط/فبراير، مبرراً ذلك بما قال إنه تهديد نووي وشيك للولايات المتحدة. لكن خبراء شككوا بشأن ما قاله عن أن إيران كانت على وشك تطوير سلاح نووي، وهو ما تنفيه طهران.
ويقول محللون إن ترامب استهان بقدرة إيران على الصمود؛ فعلى الرغم من الضربات الجوية التي قتلت عدداً من كبار القادة الإيرانيين، رد “الحرس الثوري” باستهداف دول جوار في منطقة الخليج وقواعد أميركية تستضيفها تلك الدول.
وفي الوقت نفسه، احتفظت إيران بمخزون من اليورانيوم المخصب بمستوى قريب من الدرجة المطلوبة لتصنيع الأسلحة النووية، والذي يُعتقد أنه دُفن تحت الأرض عقب الضربات الأميركية في يونيو/حزيران 2025.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن ترامب وحده “امتلك الشجاعة” لمواجهة إيران بسبب برنامجها النووي، مؤكدة أنه حقق جميع أهدافه، وأن الاقتصاد الإيراني يتعرض لضغوط شديدة بفعل العقوبات المشددة والحصار البحري الأميركي.
وفي المقابل، رفض ترامب مناشدات سعودية بالتدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين، الذين اتفقوا مع الولايات المتحدة العام الماضي على وقف لإطلاق النار.
ويقول محللون إن ذلك أضعف ثقة دول الخليج في الضمانات الأمنية الأميركية، بعد أن زاد تشككها بالفعل بسبب قرار ترامب خوض الحرب رغم اعتراضاتها. وذكر موقع “أكسيوس” أن ترامب يعتزم لقاء قادة عدد من دول الخليج على هامش اجتماعات الأمم المتحدة الأسبوع المقبل.
وتكمن المعضلة التي تواجه ترامب في أن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل إغلاق الحوثيين لممر ملاحي رئيسي آخر، لكنه في الوقت نفسه متردد في الانخراط في مهمة جديدة محفوفة بالمخاطر للقوات الأميركية التي أنهكتها المواجهة مع إيران.
ووفقاً لخمسة مصادر مطلعة، التقى مسؤولون أميركيون مطلع الأسبوع في سلطنة عمان مع ممثلين للحوثيين قالوا لهم إن الجماعة تستهدف الشحنات السعودية لكنها لا تعتزم مهاجمة سفن أميركية.
وقال جوناثان بانيكوف، نائب مدير المخابرات الأميركية لشؤون الشرق الأوسط سابقاً: “الولايات المتحدة تواجه بوضوح تحديات تتعلق بالقدرات العسكرية، لكن تكلفة عدم التحرك في هذه الحالة من المرجح أن تزيد التوترات مع الحلفاء بمنطقة الخليج”.
وأدى الظهور المفاجئ للحوثيين مجدداً كتهديد إقليمي إلى زيادة تعقيد جهود ترامب لإيجاد مخرج من الصراع، ومع اقتراب الحرب من شهرها السابع، تجد الولايات المتحدة نفسها منخرطة في حرب استنزاف، بينما يحاول ترامب تكثيف الضغوط الاقتصادية على طهران.
الأربعاء الماضي، قال ترامب للصحفيين، بعدما قدم جداول زمنية متباينة في السابق: “نأمل أن نكون على مقربة من النهاية”، لكن محللين يحذرون من أن الصراع من المرجح أن يستمر إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وكتب بريت إريكسون، المحلل الجيوسياسي والشريك الإداري في شركة أوبسيديان ريسك أدفايزرز، على منصة “إكس” قائلاً: “إيران لن تمنح ترامب مخرجاً سهلاً في الوقت الذي تمتلك فيه أوراق ضغط كبيرة يمكنها أن تضر به في انتخابات التجديد النصفي وتحوله إلى رئيس ضعيف”.


