الرئيسيةاقتصادقانون إصلاح المصارف: خطوة نحو التعافي؟

قانون إصلاح المصارف: خطوة نحو التعافي؟

| فؤاد زمكحل |

يُشكّل قانون إصلاح المصارف محطّة مفصلية في مسار الإصلاح المالي في لبنان، كونه يضع للمرّة الأولى إطاراً قانونياً واضحاً لمعالجة أوضاع المصارف المتعثّرة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. إلّا أنّ أهمّية هذا القانون لا تكمن فقط في إقراره، بل في مدى انسجامه مع الإصلاحات الشاملة التي يطالب بها المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي، وفي قدرته على إعادة بناء الثقة بالنظام المالي وحماية حقوق المودعين.

يُمكن القول إنّ الصيغة النهائية للقانون تمثل تقدُّماً مهمّاً وضرورياً، لكنّها ليست وحدها كافية للقول إنّ لبنان بات قريباً تلقائياً من التوصُّل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي. فالقانون يضع إطاراً مؤسساتياً لمعالجة المصارف المتعثّرة، ويحدِّد صلاحيات الجهات الرقابية، وينظِّم آليات إعادة الهيكلة أو التصفية. كما أنّ التعديلات المتعلّقة بإعادة تشكيل الهيئة المصرفية العليا، وتعزيز إستقلالية القرار، والحدّ من تضارب المصالح، تتقاطع مع المبادئ التي يؤكّد عليها صندوق النقد الدولي، وفي مقدّمها وجود آلية مستقلة وشفافة وفعّالة لمعالجة الأزمات المصرفية.

لكنّ صندوق النقد الدولي، لا ينظر إلى هذا القانون، بصورة منفصلة، بل يعتبره جزءاً من حزمة إصلاحية متكاملة، تشمل أيضاً قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، وتحديد حجم الخسائر، وآلية تعزيزها، وضمان استدامة المالية العامة والدين العام. لذلك، فإنّ السؤال الجوهري يبقى: مَن سيتحمَّل الخسائر؟ وبأي تراتبية؟ وكيف ستُعاد الودائع إلى أصحابها؟

من هنا، فإنّ تعديلات لجنة المال والموازنة لا يُمكن اعتبارها في حدّ ذاتها عقبة أمام الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، فمن الطبيعي أن يمارس مجلس النواب دوره التشريعي في مناقشة النصوص وتطويرها. إلّا أنّ تأثير هذه التعديلات سيُقاس بمضمونها النهائي، لا بمجرّد وجودها.

وفي المقابل، إذا نجحت في تعزيز الحوكمة، وترسيخ المساءلة، وحماية المودعين، فإنّها قد تشكّل قيمة مضافة للإصلاح، بدل أن تكون عائقاً أمامه.

وفي هذا السياق، يبرز الترابط الوثيق بين قانون إصلاح المصارف وقانون الانتظام المالي، باعتباره أحد أهم عناصر نجاح عملية الإصلاح. فالقانون الأول يُحدِّد الإطار المؤسساتي وآليات إعادة الهيكلة، بينما يجيب الثاني عن الأسئلة الأكثر حساسية وهي: ما حجم الفجوة المالية؟ وكيف ستوزَّع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمساهمين؟ وما هي الآلية الواقعية لاسترداد الودائع؟

ولا يُمكن عملياً، الفصل بين هذَين المسارَين. فمن غير الممكن اتخاذ قرار بإعادة هيكلة أيّ مصرف قبل تحديد وضعه المالي الحقيقي وحجم الخسائر التي يتحمّلها. كما لا يُمكن إعادة بناء الثقة إذا اقتصرت إعادة الهيكلة على تصحيح الميزانيات، من دون معالجة حقوق المودعين بصورة عادلة وشفافة.

فإعادة هيكلة تُنتج قطاعاً مصرفياً سليماً محاسبياً، لكنّها تقوم على شطب الودائع أو تجميدها لفترات طويلة، لن تُعيد الثقة بالنظام المالي ولن تُعيد تحريك الاقتصاد. وفي المقابل، فإنّ إطلاق وعود استرداد كامل الودائع من دون تحديد مصادر التمويل والجدول الزمني والقدرة المالية للدولة، سيجعل هذه الوعود غير قابلة للتنفيذ.

لذلك، ينبغي أن يسير القانونان بصورة متوازية، ضمن خطة إصلاح شاملة تقوم على أربعة مرتكزات أساسية: الاعتراف الكامل بالخسائر، والتوزيع العادل والشفّاف لها وفق تراتبية واضحة، وحماية صغار المودعين، وإعادة بناء قطاع مصرفي أصغر حجماً وأكثر متانة وقادراً على تمويل الاقتصاد الحقيقي.

إنّ نجاح هذا المشروع يبقى مشروطاً بوضع تعريف قانوني دقيق لمفهوم السيطرة الفعلية، يستند إلى معايير موضوعية وقابلة للإثبات، مثل القدرة على تعيين مجلس الإدارة، أو التحكُّم بالسياسات المالية والإدارية، أو ممارسة نفوذ حاسم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

أمّا إذا بقي المفهوم فضفاضاً، فقد يفتح الباب أمام اجتهادات قانونية متباينة، أو طعون قضائية، أو تطبيقات إنتقالية، وهو ما قد ينعكس سلباً على مصداقية القانون وعلى عملية إعادة الهيكلة بأكملها.

ولا يُقاس نجاح قانون إصلاح المصارف بمجرّد إقراره، بل بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة: حماية حقوق المودعين، وتحميل المسؤولية وفق تراتبية عادلة، وإعادة بناء قطاع مصرفي يتمتع بالحوكمة والشفافية والقدرة على تمويل الاقتصاد المنتج.

في المحصّلة، لا شك في أنّ لبنان يحتاج إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لكنّ الأهم من ذلك أن يكون هذا الاتفاق جزءاً من رؤية وطنية متكاملة للإصلاح، لا مجرّد استجابة تقنية لشروط خارجية. فالغاية النهائية ليست فقط استعادة ثقة المجتمع الدولي، بل قبل كل شيء استعادة ثقة اللبنانيّين بدولتهم وبقطاعهم المصرفي، وتهيئة الأرضية لاقتصاد أكثر استقراراً واستدامة في السنوات المقبلة.

شريط الأحداث