الرئيسيةSliderخمسة ليترات للعمال و12 مليون ليرة لكل سائق: السلطة تنفّس الشارع بـ"بدل...

خمسة ليترات للعمال و12 مليون ليرة لكل سائق: السلطة تنفّس الشارع بـ”بدل النقل”!

| زينب بزي |

لم يكن اجتماع لجنة المؤشر هادئاً أمس. ارتفعت الأصوات داخل مكاتب وزارة العمل إلى حدّ أن الصراخ والجدل بين ممثّلي العمال وأصحاب العمل كانا يُسمعان من الخارج.

نقاش حادّ، أرقام متباعدة، ومواقف بدت للحظات غير قابلة للجمع. لكن عند انتهاء الاجتماع، وبـ”قدرة قادر”، خرج الجميع بالقرار نفسه دون أي اعتراض، فأعلن وزير العمل محمد حيدر، الاتفاق على احتساب بدل النقل على أساس خمسة ليترات بنزين يومياً، على ألا تقلّ قيمته عن 500 ألف ليرة وألّا تتجاوز 800 ألف ليرة، إضافة إلى رفع التعويضات العائلية. أمّا الحدّ الأدنى للأجور وتعويضات نهاية الخدمة، فأُعطي المجتمعون مهلة شهر لمتابعة البحث فيهما، إذ لا شيء مُستعجل.

مرة جديدة، نجحت السلطة في تحويل نقاش يُفترض أن يكون عن تصحيح الأجور وكلفة المعيشة، إلى تفاوض على ثمن الطريق إلى العمل، وكأنّ كل المشكلة تكمن هناك. وكأنّ تدهور أجور اللبنانيين بدأ مع الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات، لا منذ سنوات من التضخّم وانهيار القدرة الشرائية. وكأنّ العامل الذي لم يعد راتبه يكفي السكن والغذاء والكهرباء والمياه والدواء والتعليم، تنحصر مشكلته في عدد ليترات البنزين التي يحتاج إليها كي يصل إلى وظيفته.

لو سلّمنا جدلاً بأن النقل هو العائق الوحيد، فبحساب بسيط يتبيّن التالي: آخر سعر لصفيحة البنزين 95 أوكتان يبلغ 2.834 مليون ليرة، أي إن قيمة الليتر الواحد 141 ألفاً و700 ليرة، ما يعني أن قيمة خمسة ليترات تبلغ نحو 708 آلاف و500 ليرة يومياً. وبالمقارنة مع بدل النقل الحالي البالغ 450 ألف ليرة، تكون كل “الزيادة” التي انتهى إليها الاجتماع نحو 258 ألفاً و500 ليرة في اليوم، أو نحو 5.7 ملايين ليرة في الشهر على أساس 22 يوم عمل. أي ليرات معدودة، كانت كافية لشراء صمت ممثّلي العمال وأصحاب العمل.

أمّا المفارقة الأوضح، فهي في ربط البدل بسعر البنزين. إذا ارتفعت الأسعار، يرتفع البدل إلى أن يصطدم بسقف الـ800 ألف ليرة، فيعود العامل ليتحمّل كل زيادة بعدها. وإذا انخفضت الأسعار، ينخفض بدل النقل معها حتى يبلغ أرضية الـ500 ألف ليرة. لكن ماذا عن كلفة النقل نفسها؟ إذا تراجعت صفيحة البنزين غداً، فهل ستتراجع تعرفة السرفيس بالوتيرة نفسها؟ هكذا، تُربط مستحقاته بسعر مادة متقلّبة، فيما لا ترتبط كلفة انتقاله بالضرورة بالحركة نفسها.

والأهم أن لجنة المؤشر لم تُنشأ أصلاً لمناقشة ثمن البنزين فقط. فمهامها تشمل درس تطور الأسعار وأسباب ارتفاعها، ورصد الغلاء، ودرس الأرقام القياسية لكلفة المعيشة، والأهم درس سياسة الأجور وتقديم المُقترحات الآيلة إلى مكافحة الغلاء والحدّ من ارتفاع الأسعار. لكنّ اللجنة التي يُفترض أن تناقش سياسة أجور خرجت من اجتماعها ببدل نقل، فيما أُجّل الحد الأدنى للأجور شهراً إضافياً. عملياً، ذهب بدل النقل إلى مرسوم، وذهب الأجر نفسه إلى لجنة أخرى واجتماعات إضافية لا نعرف متى تبصر النور.

وهذا ليس جديداً. فبدل النقل دخل إلى علاقة العمل في لبنان بموجب اتفاق ثلاثي عام 1995 باعتباره تدبيراً “استثنائياً ومؤقّتاً” إلى حين تحسّن النقل العام، قبل أن يتحوّل إلى جزء دائم من منظومة الأجور. وتُظهِر سجلّات منظمة العمل الدولية أن خلافاً كبيراً دار لاحقاً حول إدخاله في الأجر، قبل أن يُحسم الأمر قانونياً عام 2012 بفصل دفعه عن آلية تحديد الحدّ الأدنى. أي إن تدبيراً كان يُفترض أن يعيش فترة انتقالية صار بعد أكثر من ثلاثة عقود إحدى الأدوات الأساسية التي تُستخدم لتجنّب تصحيح الأجر نفسه.

وهنا تكمن المشكلة الأعمق. السلطة لا تعالج الأجر، بل تفكّكه إلى مجموعة بدلات لكي تسهّل على نفسها مهمة “الترويض”. هكذا، كلّما انفجر بند أُعيد ترقيعه منفرداً، من دون الحاجة إلى الخوض في معركة كبيرة. قبل أشهر كانت المشكلة في رواتب القطاع العام، فمُنحت زيادات منفصلة. واليوم وصلت النار إلى النقل، فجاءت خمسة ليترات. وغداً، عندما يقفز بند آخر من كلفة المعيشة، سيُفتح له باب تفاوض جديد. والنتيجة ليست سياسة أجور، بل إدارة يومية فاشلة للانهيار المتواصل منذ سنوات.

ولم تتوقف سياسة الترقيع عند الأجراء. ففي اليوم نفسه، انتقلت السلطة إلى السائقين العموميين، في قطاع كان يستعدّ للتحرّك يوم الأربعاء. فعُقد اجتماع في وزارة المالية انتهى إلى الاتفاق على المباشرة بإجراءات فتح اعتماد في موازنة 2026 لمنح السائقين العموميين المستحقين 12 مليون ليرة شهرياً من الأول من تشرين الأول المقبل وحتى 31 كانون الأول المقبل، كمرحلة أولى، مقابل التزامهم بالتعرفة الرسمية الصادرة عن وزارة الأشغال العامة والنقل، على أن يُحرم السائق المخالف من الاستفادة من هذه المستحقات. والمُضحِك هنا، أنّ مبلغ الـ12 مليوناً ليس وليد اجتماع الأمس أصلاً. فقد مضت أشهر والسلطة تعد السائقين به، فيما بقي التنفيذ مُعلّقاً بحجة عدم توافر الأموال أو الحاجة إلى تأمين الاعتمادات.

وفجأة، ما إن عاد قطاع النقل إلى التهديد بالتحرك، وكان يستعدّ للنزول إلى الشارع الأربعاء، حتى صار من الممكن فتح اعتماد في الموازنة وإيجاد مخرج للتمويل. ما كان مستحيلاً طوال الأشهر الماضية، أصبح ممكناً عندما اقترب موعد التحرّك. فجأة ظهرت الأموال، بعدما كانت مفقودة طوال الأشهر السابقة.

وهكذا، يتكرر النمط نفسه مع كل فئة، حيث تحصل كل واحدة على جرعة تهدئة خاصة بها، لا لأن المشكلة حُلّت، بل لأن صوتها ارتفع بما يكفي. السلطة لا تبني سياسة نقل ولا سياسة أجور، بل تتحرك وفق سلّم الضغط.

ولم يكن التوافق الذي ظهر عند الخروج من اجتماع لجنة المؤشر موجوداً داخله أساساً. نائب رئيس الاتحاد العمالي العام حسن فقيه أكّد وجود أرقام شديدة التباعد بين ممثّلي العمال وأصحاب العمل، فضلاً عن “جدل طويل عريض”. وبحسب فقيه، كان أصحاب العمل يتذرّعون بالوضع الاقتصادي والأزمة والحرب، فيما تقرّر تشكيل لجنة مُصغّرة من لجنة المؤشر لمتابعة البحث، على أن يعود الاتحاد العمالي العام إلى هيئاته ليقرّر موقفه.

لكنّ رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين كاسترو عبد الله، اعتبر أن الاجتماع كان مهزلة و”لعب أدوار”، ودخل الجميع في النهاية لـ”يبصموا” على إخراج هدفه تخفيف النقمة الاجتماعية. وحتى رفع التعويضات العائلية، الذي ظهر كأحد مكاسب الاجتماع، لا يرى عبد الله فيه مكسباً مضموناً، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من المؤسسات لا يدفع هذه التعويضات أصلاً لعماله. وبرأيه، يمكن تلخيص نتيجة ما حصل بأنها “ضربة للحركة النقابية وللعمال”.

في المقابل، خرج ممثّل الهيئات الاقتصادية نقولا شماس ليعلن حرص أصحاب العمل على مؤسساتهم وموظفيهم، وليؤكد أنهم “ليسوا مسؤولين عن الواقع الحالي ولا عن الضرائب”. صحيح، هم ليسوا مسؤولين سوى عن أرباحهم التي تتراكم، فيما يدفعون الفُتات إلى الذين ينتجونها، ثم يقدّمون كل زيادة متواضعة في الأجر أو بدل النقل على أنها عبء إضافي يهدّد استمرار المؤسسات. أمّا العامل، فعليه أن يتحمّل وحده كلفة الانهيار وارتفاع الأسعار والنقل، وأن يشكر أصحاب العمل عندما يعيدون إليه جزءاً صغيراً مما خسره.

وبذلك، تكون السلطة قد بدأت بالفعل توزيع الرقع على الثقوب الأكثر إلحاحاً: رقعة للأجراء قبل أن يتصاعد مطلب تصحيح الأجر، وأخرى للسائقين قبل تحرّك الأربعاء، وغداً رقعة لفئة ثالثة عندما يعلو صوتها. أمّا الثوب نفسه، أي سياسة الأجور والنقل والحماية الاجتماعية، فيبقى مُمزّقاً كما هو. ما تفعله السلطة ليس منع الانفجار، بل تأجيله.

شريط الأحداث