| خلود شحادة |
هل يعتقد أحد من اللبنانيين أن وزارة الإقتصاد تقوم بدورها في حماية اللبنانيين من الغش، وارتفاع الأسعار، وسلامة المواد الغذائية، ومطابقة المعايير في مختلف قطاعات الإستهلاك؟!
هل يشعر اللبنانيون أن سياراتهم تستهلك كمية بنزين أكثر من المعتاد؟
الجواب على السؤال الأول، هو “لا” بالتأكيد…
أما الجواب على السؤال الثاني، فـ”نعم”.. والصرخة باتت عالية تجاه هذه الأزمة.
تكفي زيارة واحدة إلى سوبرماركت كبيرة، وميني ماركت، ودكان الحي، للتأكد من حجم الفلتان الذي يطال السوق الاستهلاكية، من تفاوت في الأسعار، إلى عروض يصعب التأكد من حقيقتها، مروراً بجودة المنتجات ومطابقتها للمواصفات، وصولاً إلى الأسئلة الجوهرية، لماذا يدفع اللبناني أكثر مقابل السلعة نفسها، وهل يحصل فعلاً على المنتج الذي يدفع ثمنه؟
وبالنسبة إلى البنزين، فالسؤال الذي يتردد بين اللبنانيين ليس فقط عن سعر الصفيحة، بل عن الكمية التي يستهلكونها فعلياً. كثيرون يشعرون بأن سياراتهم باتت تحتاج إلى تعبئة أكثر من المعتاد، وأن الصفيحة التي كانت تكفي لمسافة معينة لم تعد تفعل ذلك.
ومن “غير كوكب”، تعلن وزارة الاقتصاد والتجارة عن جولات رقابية جديدة، شملت المولدات الكهربائية، وسلامة الغذاء، ومطابقة المواصفات، وعمليات الكيل في الصهاريج ومحطات المحروقات، وعينات من البنزين 95 أوكتان أرسلتها إلى المختبر للتحقق من نسبة الأوكتان.
ولكن هذا يفتح الباب أمام السؤال الأهم: ماذا لو أثبتت الفحوص وجود مخالفات؟ هل ستكون هناك محاسبة فعلية ورادعة، أم سيبقى الأمر محصوراً بعينات ومحاضر وبيانات؟
حسناً.. ماذا بعد؟
هل سيُشبع هذا البيان عائلةً تذهب إلى السوبر ماركت لتكتشف أن أسعار السلع ارتفعت بشكل جنوني، أو مستهلكاً يدفع ثمن منتج على أساس أنه مطابق للمواصفات، أو سائقاً يريد أن يعرف إن كانت كمية البنزين التي يدفع ثمنها هي فعلاً الكمية والمواصفات التي يفترض أن يحصل عليها؟
المواطن لا يملأ برادَه بالبيانات، ولا يشتري “مونة” بيته من أرقام محاضر الضبط، ولا يستطيع أن يعيش على وعود بأن المخالفات تُرصد وأن العينات أُرسلت إلى المختبر وأن الملفات أُحيلت إلى القضاء. ما يريده هو أن يرى أثر الرقابة في حياته اليومية، وأن يعرف أن من يحاول الغش في السعر أو الوزن أو الجودة أو المواصفات سيدفع ثمناً حقيقياً لمخالفته، لا أن تكون المسألة مجرد جولة تنتهي بمحضر، ثم يعود السوق إلى ما كان عليه.
المشكلة ليست في أن وزارة الاقتصاد لا تقوم بأي جولة رقابية، بل في أن المواطن يريد رقابة مستمرة لا موسمية، وإجراءات لا تكتفي بتسجيل المخالفة، بل تمنع تكرارها. يريد قوانين صارمة وتطبيقاً صارماً، وعقوبات تشكل رادعاً فعلياً لكل من يفكر في استغلاله، سواء عبر رفع الأسعار بلا مبرر، أو التلاعب بالوزن والكيل، أو بيع منتجات غير مطابقة، أو المسّ بسلامة الغذاء.
ولذا فإن الحديث عن رفع الأسعار لم يعد حديثاً جانبياً، بل أصبح كارثة حقيقية تنذر بانعدام القدرة الشرائية.
المشكلة أن الأسعار في السوق اليوم، هي أغلى مما كانت عليه قبل أزمة الدولار، ففي زمن الـ1500 ليرة لبنانية للدولار، كان سعر كيلو الدجاج مسحوب العظم يساوي 4 $، وعند ارتفاعه لحد أقصى في مواسم ارتفاع الطلب عليه، يصل الى 7 $، أما اليوم يصل سعره كحد أدنى إلى 9 $، ويتخطى عند ارتفاع الطلب الـ12$.. ثم ماذا؟ أين الرقابة؟
الأمر ذاته على المواد الغذائية في السوبر ماركت، حيث يشتكي المواطنين من أن السلعة ذاتها كانت بـ3 $ قبل الأزمة، اليوم تباع بأكثر من 5 دولارات، حيث يصل سعر كل منتج إلى ضعف سعره السابق أحياناً.
لذلك، عندما تعلن الوزارة اليوم عن “ضبط” أصحاب مولدات لمخالفتهم التسعيرة الرسمية، وسحب عينات من البنزين للتأكد من مطابقتها، وفحص مستحضرات تجميل للتحقق من أصالتها، والتدقيق في بيانات السلع الغذائية، فإن السؤال الطبيعي ليس فقط: كم مخالفة ضبطتم؟ بل: ماذا بعد؟
ماذا يحصل للمخالف بعد ضبطه؟ هل تُفرض عليه عقوبة رادعة؟ هل تُمنع المخالفة من التكرار؟ وهل يشعر التاجر أو صاحب المحطة أو صاحب المولد أن هناك ثمناً حقيقياً سيدفعه إذا غشّ المستهلك؟ والأهم، هل يستطيع المواطن أن يلمس نتيجة هذه الإجراءات في جيبه وفي ما يشتريه؟
هل أصلاً هناك سقف أعلى للربح يحاسب على أساسه التاجر؟ وماذا يفسر فرق الأسعار بين سوبر ماركت وأخرى؟ وما هي معايير التسعير بالقانون؟
وكيف يمكن للمواطن أن يلجأ للدولة لتحميه من جشع التجار، وهو نفسه صحية هذه الدولة “الشرهة” على فرض الضرائب، ورفع الرسوم، غير آبهة بالقاع الذي غرق به الوضع الاقتصادي والمعيشي لمواطنيها؟!
المطلوب ليس بيانات لا تسمن ولا تغني من جوع، المطلوب اصلاح فعلي، لقرارات الحكومة نفسها بكل وزاراتها بداية، ومن ثم للسوق وتبايانات أسعاره، وعقوبات حقيقية وصارمة بحق كل مخالف.
المواطن اللبناني لم يعد يحتمل أن يكون هو الطرف الأضعف في كل عملية شراء. يدفع من دخله المنهك، ويبحث عن الأرخص، ثم يضطر فوق ذلك إلى أن يلعب دور المراقب والمفتش والخـبير، ليتأكد من السعر والوزن والجودة والمواصفات.


