الرئيسيةSliderجيل تحت النار: كيف سرق العدوان الإسرائيلي أحلام الشباب اللبناني؟

جيل تحت النار: كيف سرق العدوان الإسرائيلي أحلام الشباب اللبناني؟

| هديل يوسف الحسين |

لم تكن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان مجرد مواجهة عسكرية، بل شكلت حدثًا ترك آثارًا عميقة على المجتمع اللبناني بأكمله، ولا سيما فئة الشباب التي وجدت نفسها أمام تحديات جديدة تُضاف إلى أزمات اقتصادية ومالية كانت تعصف بالبلاد منذ سنوات. فقد جاءت الحرب في وقت كان فيه الشباب اللبناني يحاول النهوض من تداعيات الانهيار الاقتصادي، لتضاعف الشعور بعدم الاستقرار وتزيد من حالة القلق بشأن المستقبل.

الأثر النفسي

يُعد الجانب النفسي من أكثر الجوانب تأثرًا بالحرب. فقد عاش آلاف الشباب تحت وقع القصف، والنزوح، والخوف المستمر من فقدان أفراد الأسرة أو المنازل أو مصادر الرزق.
كما أدت أصوات الغارات والانفجارات، ومشاهد الدمار والضحايا، إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر واضطرابات النوم لدى كثيرين، بينما عانى آخرون من أعراض الصدمة النفسية، خصوصًا في المناطق التي شهدت مواجهات مباشرة. وتشير تقارير أممية ومنظمات إنسانية إلى أن النزاعات المسلحة تترك آثارًا طويلة الأمد على الصحة النفسية، خاصة لدى الشباب والأطفال.

ولم يقتصر التأثير على الصحة النفسية فحسب، بل امتد إلى شعور متزايد بالإحباط وفقدان الأمل، إذ بات عدد كبير من الشباب يرى أن مستقبله أصبح أكثر غموضًا، في ظل تراجع فرص التعليم والعمل والهجرة الآمنة.

الأثر الاقتصادي

جاءت الحرب لتفاقم أزمة كانت تُعد من أسوأ الأزمات في تاريخ لبنان الحديث. فقد تعرضت البنية التحتية في عدد من المناطق لأضرار واسعة، وتوقفت العديد من المؤسسات التجارية والزراعية والسياحية عن العمل، ما أدى إلى خسارة وظائف وانخفاض الدخل لدى آلاف الأسر.

كما ساهم النزوح الداخلي وتعطل النشاط الاقتصادي في زيادة الضغوط المعيشية على الشباب الذين يعتمد كثير منهم على الأعمال اليومية أو القطاع الخاص. وتشير تقديرات دولية إلى أن الحرب تسببت بخسائر اقتصادية كبيرة، وأثرت سلبًا في النمو الاقتصادي وفرص العمل وإعادة الإعمار.

وأمام هذا الواقع، ازداد توجه الشباب إلى البحث عن فرص عمل خارج لبنان، في ظل قناعة متنامية بأن الاستقرار الاقتصادي بات أكثر صعوبة داخل البلاد. كما أدى تراجع الاستثمار والسياحة إلى تقليص فرص التوظيف، ما دفع كثيرين إلى تأجيل مشاريعهم المهنية أو التعليمية.

انعكاسات اجتماعية

انعكست الحرب أيضًا على العلاقات الاجتماعية، حيث اضطر العديد من الشباب إلى ترك منازلهم أو جامعاتهم، فيما تفرقت عائلات كثيرة بسبب النزوح. كما تراجعت الأنشطة الثقافية والتطوعية والرياضية التي كانت تمثل متنفسًا نفسيًا واجتماعيًا للشباب، الأمر الذي زاد من الشعور بالعزلة والضغط النفسي.

تجارب شخصية

في حديث لموقع “الجريدة”، كشفت سارة أحمد أنها كانت قد بدأت عملاً جديداً في شركة خاصة، لكن بعد تصاعد الأحداث توقفت الشركة عن العمل، وتم الاستغناء عن عدد كبير من الموظفين، وكانت هي من بينهم.

وقالت: شعرت بأن كل ما بنيته خلال سنوات الدراسة انهار في لحظة. أصبحت أعاني من القلق والأرق، وكل صوت مرتفع يعيد إليّ مشاهد القصف والخوف.

وأعربت سارة عن خشيتها أن تبقى بلا عمل، وتضطر إلى تأجيل كل أحلامي بسبب الظروف الاقتصادية.

أما ريم خليل، فتحدثت لموقع “الجريدة” عن أثر الحرب على دراستها، حيث توقفت المحاضرات لفترة، واضطرت لمتابعة الدروس عن بُعد، لكنها لم تكن قادرة على التركيز بسبب القلق المستمر على عائلتها.

أضافت: أصبحت أعاني من صعوبة في النوم، وأشعر بالخوف كلما سمعت أصواتاً مرتفعة، كما فقدت الحماس الذي كنت أملكه لإكمال دراستي

من جهته، كشف محمد ناصر لموقع “الجريدة”، أنه وبسبب الحرب، خُفّض راتبه إلى النصف بسبب تراجع أعمال المؤسسة، بينما ارتفعت أسعار المواد الأساسية، فأصبح عاجزاً عن تغطية احتياجات أسرته.
ولفت إلى أن الضغوط المادية أثرت على حالتي النفسية وعلاقاته مع عائلته، وأصبح يفكر باستمرار في الهجرة بحثاً عن فرصة أفضل.

تكشف هذه الشهادات أن آثار الحرب لم تقتصر على الدمار المادي، بل امتدت إلى الصحة النفسية والاستقرار الاقتصادي للشباب اللبناني.

فقد وجد كثيرون أنفسهم أمام فقدان الوظائف، وتراجع الدخل، وتأجيل مشاريع الزواج والدراسة، إلى جانب معاناة نفسية تمثلت في القلق، والأرق، والخوف من المستقبل. وتؤكد هذه التجارب أن مرحلة التعافي لا تقتصر على إعادة إعمار البنية التحتية، بل تتطلب أيضاً دعماً نفسياً واقتصادياً يتيح للشباب استعادة شعورهم بالأمان والأم
الحرب الإسرائيلية الأخيرة لم تخلّف دمارًا ماديًا فقط، بل عمّقت الجراح النفسية والاقتصادية لدى الشباب اللبناني، الذين يواجهون اليوم تحديًا مزدوجًا يتمثل في التعافي من آثار الحرب، ومواجهة أزمة اقتصادية مستمرة.

لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى دعم برامج الصحة النفسية، وخلق فرص عمل، وإطلاق مشاريع تنموية تعيد الأمل إلى هذه الفئة التي تمثل الركيزة الأساسية لمستقبل لبنان. فإعادة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن إعادة بناء الحجر، والاستثمار في الشباب هو الطريق الحقيقي نحو التعافي والاستقرار.

شريط الأحداث