منذ أن دخل لبنان مرحلة الانهيار المالي في عام 2019، لم تعد الأزمة الاقتصادية مجرد أرقام عن سعر الصرف والخسائر المصرفية والتضخم، بل تحولت إلى جزء من الحياة اليومية لملايين اللبنانيين، وإلى ذاكرة جماعية تختزن قصصًا عن مدخرات ضاعت، وحسابات جُمّدت، وعائلات وجدت نفسها عاجزة عن الوصول إلى أموالها.
اليوم، تنتقل إحدى هذه القصص من الشارع اللبناني إلى الشاشة العالمية، مع ترشيح فيلم “FURIES” لتمثيل لبنان في سباق “أوسكار” 2027.
وأعلنت وزارة الثقافة اللبنانية، الجمعة، اختيار الفيلم الروائي “FURIES”، من إخراج رامي قديح، لتمثيل لبنان في المنافسة عن فئة أفضل فيلم دولي.
وجاء الاختيار بإجماع اللجنة المكلفة، التي تضم متخصصين ونقادًا في السينما، واستندت إلى مجموعة من المعايير، بينها موضوع الفيلم وطريقة معالجته والإخراج والسيناريو والتقنيات المستخدمة وأداء الممثلين وحركة الكاميرا وإيقاع العمل.
ولا يبتعد الفيلم كثيرًا عن واحدة من أكثر الصور قسوة التي طبعت سنوات الانهيار اللبناني. تدور أحداث “FURIES” في مرحلة بدأت فيها المصارف بتجميد أموال المودعين، فتجد “مارو”، وهي أم لطفل، نفسها أمام معركة لاستعادة أموالها وتأمين كلفة عملية جراحية لشقيقتها “داليا”. وبعد رفض المصرف تمكينها من الوصول إلى أموالها وتدهور الحالة الصحية لشقيقتها، تتجه المرأتان إلى خطة غير مألوفة لاستعادة ما تعتبرانه حقهما، فتتحول ليلة واحدة إلى مواجهة مع واقع مالي واجتماعي أوسع من قصتهما الشخصية.
اختيار هذه القصة تحديدًا يكتسب دلالته من أن ما يرويه الفيلم لم يكن خيالًا بعيدًا عن الواقع اللبناني. فقد شهدت السنوات الماضية حوادث عدة لمودعين اقتحموا فروعًا مصرفية في محاولة لاستعادة أموالهم المحجوزة، وتحولت بعض هذه الوقائع إلى مشاهد حاضرة بقوة في الذاكرة اللبنانية. ومن أبرزها حادثة اقتحام مودعة فرعًا مصرفيًا في بيروت عام 2022، في محاولة للحصول على جزء من وديعتها لتغطية علاج شقيقتها، وهي واقعة أثارت تعاطفًا واسعًا في حينها.
وهكذا، لا يتناول “FURIES” الانهيار من زاوية المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل من خلال الإنسان الذي وجد نفسه في قلب الأزمة. فخلف الحديث عن الودائع والخسائر وسعر صرف الليرة، هناك أشخاص كانت أموالهم مرتبطة بعلاج مريض، أو تعليم أولاد، أو مشروع عمر، أو قدرة على تأمين حياة طبيعية. وعندما اختفت القدرة على الوصول إلى هذه الأموال، أصبحت الأزمة الاقتصادية بالنسبة إلى كثيرين أزمة حياة يومية وقرارات صعبة وخيارات محدودة.
ومن هذه الزاوية، يضع الفيلم قضية لبنانية شديدة الخصوصية داخل حكاية إنسانية يمكن أن يفهمها جمهور خارج لبنان أيضًا. امرأة تحاول إنقاذ شقيقتها، أموال عالقة في مصرف، ونظام مالي يغلق أبوابه أمام أصحاب الحسابات؛ عناصر تتجاوز حدود البلد لتصبح قصة عن الإنسان عندما يجد نفسه في مواجهة مؤسسة أقوى منه، وعن الحدود التي يمكن أن يصل إليها عندما تنفد الخيارات.
ولا تأتي خطوة ترشيح الفيلم إلى الأوسكار بمعزل عن حضور السينما اللبنانية في المحافل العالمية. فقد سبق للبنان أن وصل إلى المنافسة النهائية في فئة الفيلم الأجنبي مع “The Insult” لزياد دويري عام 2018، ثم مع”Capernaum” لنادين لبكي عام 2019، الذي حصل على ترشيح للـ”أوسكار”، فيما استمر حضور الأفلام اللبنانية في المهرجانات الدولية خلال السنوات اللاحقة.
لكن “FURIES” يذهب إلى منطقة مختلفة، لأنه يحمل إلى الخارج واحدة من أكثر التجارب اللبنانية حداثة وألمًا: تجربة الانهيار المالي وتداعياته على حياة الناس. فالأزمة التي بدأت في المصارف وانعكست على العملة والأسعار والقدرة الشرائية، تركت أثرًا اجتماعيًا ونفسيًا واسعًا، وتحولت إلى مرحلة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث.
واللافت أن السينما هنا لا تحاول تقديم تقرير اقتصادي عن الأزمة، ولا تكتفي بإعادة سرد ما حدث، بل تستخدم قصة شخصية لتقترب من آثار الانهيار على الإنسان. وهذا تحديدًا ما يمكن أن يمنح القضية اللبنانية مساحة مختلفة على الشاشة: بدل أن تظهر الأرقام وحدها، تظهر الوجوه التي عاشت هذه الأرقام وتحملت نتائجها.
وفي المقابل، يبقى ترشيح “FURIES”خطوة أولى في رحلة الـ”أوسكار”، وليس إعلانًا عن وصول الفيلم إلى القائمة النهائية أو حصوله على ترشيح للجائزة. فلبنان قدّم الفيلم رسميًا إلى فئة أفضل فيلم دولي، بينما تستكمل الأكاديمية الأميركية لعلوم وفنون الصور المتحركة مراحل اختيار الأفلام المتنافسة قبل الوصول إلى الترشيحات النهائية. وتُظهر بيانات الأكاديمية أن باب تقديم أفلام فئة الفيلم الدولي لدورة 2027 يبقى مفتوحًا حتى 30 أيلول 2026، ما يعني أن المنافسة الدولية لا تزال في مراحلها الأولى.
وبينما يواصل لبنان التعامل مع آثار أزمة لم تنتهِ تداعياتها بعد، يأتي الفيلم ليحفظ جانبًا من تلك المرحلة في الذاكرة السينمائية. قد تختلف القراءات حول أسباب الانهيار ومسؤولياته، لكن القصص التي تركها خلفه باتت جزءًا من حياة اللبنانيين ومن تاريخ البلاد الحديث.
ومن المصارف التي أغلقت أبوابها أمام المودعين، إلى شاشة قد تفتح أبوابها أمام قصة لبنانية في هوليوود، يقطع “FURIES” مسافة رمزية تختصر مرحلة كاملة: أموال جُمّدت خلف أبواب المصارف، وحقوق تحولت إلى معارك، وأزمة اقتصادية وجدت طريقها أخيرًا إلى السينما.
وفي انتظار ما ستقرره الأكاديمية الأميركية في المراحل المقبلة، يبقى ترشيح الفيلم مناسبة لتسليط الضوء على السينما اللبنانية وعلى قصة الانهيار من زاوية مختلفة؛ قصة لا تتحدث فقط عن بلد خسر كثيرًا من قدرته الاقتصادية، بل عن أناس حاولوا، وسط الانهيار، أن يتمسكوا بما تبقى لهم من أموال وكرامة وأمل.


