spot_img
spot_img
الرئيسيةشريط الاحداثأميركا أمام لحظة الحسم: لا بديل من تسوية تفاوضية

أميركا أمام لحظة الحسم: لا بديل من تسوية تفاوضية

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| علي حيدر |

من دون تقرير واشنطن ما الذي تريده بالضبط، ستبقى المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، فلا الحرب كفيلة بتحقيق الحسم، ولا الضغط يضمن صناعة تسوية طويلة الأمد، ليبقى السؤال: هل تقتنع واشنطن، بضرورة التخلّي عن المطالب التي تتجاوز الحدّ الذي يمكن أن تَقبل به طهران؟

تتزايد التقديرات، داخل كيان العدو وخارجه، بأن المنطقة تقترب من لحظة فاصلة قد تحسم اتجاه المرحلة المقبلة: إمّا تجدّد المواجهة العسكرية، بكلّ ما تحمله من احتمالات بدئها بتصعيد محدود وانتهائها، ربّما، بحرب شاملة؛ وإمّا التوصّل إلى صيغة اتفاق ما تفرضها موازين الاستنزاف المتبادل. وينطلق هذا التقدير الأخير من افتراض أن الوضع القائم، بما يتخلّله من حصار وضغوط، بات أكثر كلفة على أطراف الصراع وعلى العالم نفسه، وأنه لا يمكن له أن يستمرّ طويلاً. مع ذلك، تتصرّف إسرائيل، التي تفضّل خيار الحرب، على أساس أن وقوعها هو الاحتمال الأرجح؛ وهي تُواصل الترويج لفكرتها القائلة إن استهداف عناصر القوة ومصادر الطاقة في إيران، قد يدفع الأخيرة إلى تقديم تنازلات جوهرية – رغم أن تل أبيب نفسها ليست مقتنعة بالضرورة بقدرتها وواشنطن على تحقيق تلك النتيجة -. غير أن هذه المقاربة التي تجد صدىً لها داخل بعض الدوائر الأميركية – رغم غياب الوضوح حيال مدى اقتناع الرئيس دونالد ترامب بها – تنطوي على إشكالية مرتبطة بتمايز طبيعة النظام الإيراني ومنطق سلوكه الاستراتيجي، والذي لا يصلح إزاءه تفعيل «العقيدة» الأميركية، القائمة على أن استخدام أدوات القوة والضغط، قادر، إذا ما بلغ مستوى كافياً من الشدّة، على دفع أيّ دولة إلى إعادة حساباتها مهما بلغت درجة عدائها لواشنطن.

والواقع أن الإدارات الأميركية المتعاقبة راهنت، منذ عقود، على أن العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعمليات الأمنية والعسكرية، ستقود في النهاية إلى فرض استسلام استراتيجي على إيران، يشمل ملفّاتها النووية والعسكرية والإقليمية. إلا أن التجربة العملية أظهرت حدود هذه المقاربة، التي لم تنجح في إنتاج التحوّل الاستراتيجي الذي راهنت عليه الولايات المتحدة، رغم نجاحها النسبي في إنهاك الاقتصاد الإيراني وتقييد جزء من حركة حلفاء الجمهورية الإسلامية. وفي المعركة الجارية حالياً، تصطدم المقاربة نفسها بسوء تقدير طبيعة الخصم؛ إذ تطالب واشنطن، طهران، بتنازلات في ملفات من مثل برنامجها الصاروخي وحقّها في التخصيب وعلاقتها مع الحلفاء، وهو ما لا تستطيع إيران القبول به، نظراً إلى أنها تعدّ تلك الملفات أساساً لبقائها الاستراتيجي، وجزءاً من بنية نظامها نفسه وهويته وفلسفة بقائه.

صحيح أن العقوبات قد تقلّص موارد إيران، وأن الضربات قد تعطّل بعض قدراتها، وأن «الضغوط القصوى» المتواصلة قد تفرض عليها كلفة باهظة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن النظام الإيراني سيقبل بالتراجع عن عناصر يعتبرها ضمانات وجودية، خصوصاً أن طهران أظهرت سابقاً تحمّلها مستويات مرتفعة جداً من الخسائر الاقتصادية والعسكرية، في مقابل تجنّب تقديم أيّ تنازلات قد تمسّ مرتكزات الثورة الإسلامية أو تهزّ صورة النظام أمام بيئته الداخلية وحلفائه الإقليميين. لا بل إن تصاعد الضغوط قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى نتيجة معاكسة، ولربّما يعزّز قناعة القيادة الإيرانية بأن أيّ تراجع كبير سيفتح الباب أمام ضغوط أشدّ ومحاولات لاحقة لإسقاط النظام، ما يدفعها إلى مزيد من التشدّد والاستعداد لتحمّل أيّ أكلاف أخرى.

ومن شأن ما تَقدّم أن يبقي الولايات المتحدة أمام المعضلة نفسها: إمّا القبول بتسوية تعترف، ولو جزئياً، ببعض الخطوط الحمراء الإيرانية، وإمّا الذهاب نحو مشروع تغيير شامل للنظام، بكلّ ما يحمله هذا الخيار من مخاطر إقليمية ودولية ضخمة. وعليه، فالتحدّي الآن يتمثّل بحسم هدف الاستراتيجية الأميركية: هل المطلوب «تغيير سلوك» إيران، أم «تغيير النظام» نفسه؟ فإذا كان الهدف هو الأول، فإن ذلك يفرض على واشنطن الانتقال من محاولة فرض «الاستسلام الكامل» على طهران، إلى منطق «إدارة التوازنات والصراع»، أي الإقرار بأن بعض المصالح الأمنية والاستراتيجية التي تعتبرها الجمهورية الإسلامية خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها عبر الضغط وحده. أمّا إذا كان الهدف «تغيير النظام» بعد فشل المحاولات السابقة، فهو يتطلّب موارد ضخمة واستعداداً لحرب طويلة وغير مضمونة النتائج، مع ما يرافقه من احتمالات انفجار إقليمي واسع واضطراب عالمي في أسواق الطاقة والممرّات البحرية وتداعيات يصعب ضبطها.
في المحصلة، ومن دون تقرير الولايات المتحدة ما الذي تريده بالضبط، ستبقى المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، حيث لا الحرب كفيلة بالضرورة بتحقيق الحسم، ولا الضغط وحده يضمن صناعة تسوية طويلة الأمد، ليبقى السؤال: هل تقتنع واشنطن، في نهاية المطاف، بضرورة خفض سقوفها، والتخلّي عن المطالب التي تتجاوز الحدّ الذي يمكن أن تَقبل به طهران؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img