spot_img
spot_img
الرئيسيةمنوعاتشبابتقليصات المناهج تنقلب إلى زيادات في الدروس!

تقليصات المناهج تنقلب إلى زيادات في الدروس!

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| فاتن الحاج |

أثارت التقليصات الرسمية للمناهج اعتراضات واسعة داخل الجسم التعليمي، بعدما تجاهلت النتائج التي أوصت بها اللجان الأكاديمية، ونسفت مساراً من الاجتماعات والدراسات والتوافقات داخل المركز التربوي للبحوث والإنماء. وتجاوزت الاعتراضات مسألة حذف الدروس أو الإبقاء عليها، لتتحوّل إلى مواجهة أوسع حول آلية اتخاذ القرار، وحدود دور لجان المواد، ومعايير العدالة التربوية في عام فرضت فيه الحرب واقعاً غير مسبوق على الطلاب والمدارس.

ومنذ الأيام الأولى للحرب، برز انقسام واضح حول جدوى التعليم عن بُعد. فدفعت مؤسسات تربوية، ولا سيما في القطاع الخاص، باتجاه إعادة فتح المدارس حيث أمكن، معتبرة أن التعليم الإلكتروني لا يوفّر الحد الأدنى المطلوب من التعلّم والتقييم والمتابعة. وانعكس هذا التوجه في سياسة وزارة التربية التي أعادت فتح المدارس تدريجياً في المناطق الآمنة نسبياً، قبل أن تعود لاحقاً وتحتسب جزءاً من التعليم عن بعد ضمن الدروس المطلوبة للامتحانات الرسمية. غير أن هذا الاحتساب حصل رغم غياب أيّ تكافؤ فعلي في قدرة الطلاب على متابعة التعليم الإلكتروني.

وبحسب تقديرات نقلها معلّمون شاركوا في الاجتماعات، لم يتمكّن 20% من الطلاب على الأقل من متابعة التعليم عن بُعد حتى في أفضل الظروف، فيما تجاوزت نسبة الانقطاع 45% في بعض المناطق والمدارس، نتيجة النزوح المتكرّر، وضعف الإنترنت والكهرباء، والضغوط النفسية والاجتماعية التي فرضتها الحرب.

ومن هنا طُرح السؤال داخل الجسم التعليمي: إذا كان التعليم «أونلاين» موضع تشكيك من حيث العدالة والفعالية، فلماذا لم يُعتمد آخر يوم تعليم حضوري فعلي، أي نهاية شباط أو الثاني من آذار، كسقف موحّد لإنهاء المنهج والتقليصات؟

في محاولة للتعامل مع هذا الواقع، ولأن الطلاب لم يعيشوا عاماً دراسياً موحّداً بالمعنى الفعلي، أجرى المركز التربوي دراسة ميدانية شملت المدارس الرسمية والخاصة، وقسّمت المؤسسات التعليمية إلى أربع فئات: المدارس الرسمية في المناطق الآمنة، المدارس الخاصة في المناطق الآمنة، المدارس الرسمية في مناطق الحرب، والمدارس الخاصة في مناطق الحرب.

وهدفت الدراسة إلى تحديد ما أُنجز من المناهج حتى الثاني من آذار عبر التعليم الحضوري، وما أُنجز حتى أوائل أيار عبر التعليم الحضوري أو الإلكتروني، إضافة إلى ما يمكن استكماله حتى نهاية الشهر، على أن تعتمد التقليصات الرسمية على أساس نسب الإنجاز الفعلية بين المدارس والمناطق.

لكنّ الاعتراضات لم تتوقف عند نتائج الدراسة، بل طاولت أيضاً المنهجية التي بُنيت عليها، بعدما احتسبت جزءاً من التعليم عن بُعد ضمن نسب الإنجاز، بدل حصر التقييم بما أُنجز حضورياً باعتباره الحد الأدنى المشترك بين جميع الطلاب. وبناءً على هذه الدراسة، عقد المركز التربوي سلسلة اجتماعات موسّعة للجان المواد الأكاديمية، شارك فيها ممثّلون عن التفتيش التربوي، ومديرية الإرشاد والتوجيه، وروابط التعليم الرسمي، ونقابة المعلمين في المدارس الخاصة، وممثّلون عن أساتذة التعليم الثانوي الرسمي والخاص.

وتقول مصادر تربوية إن اللجان حاولت الوصول إلى صيغة توازن بين الحفاظ على الحد الأدنى الأكاديمي ومراعاة الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب. وجرى التوافق على اعتماد بين 60 و70% من الدروس، بما يعكس تقدّماً نسبياً مقارنة بتاريخ توقف الدروس الحضورية. إلا أن اللجان فوجئت لاحقاً برفع الوزارة النسبة إلى ما بين 70 و80%، ما أدّى إلى تقليصات لم تتجاوز 25% من المحتوى. ومع احتساب تمديد عدد أسابيع التدريس لهذا العام إلى 26 أسبوعاً، يتبيّن أن حجم التقليصات الفعلية يبقى محدوداً، ما يطرح تساؤلات حول الفارق الحقيقي بين هذا العام والأعوام الدراسية العادية.

لكنّ «الصاعقة» جاءت بعد رفع نتائج الاجتماعات إلى وزارة التربية، إذ فوجئ عدد من الخبراء التربويين بتبدّل بعض القرارات بصورة سريعة ومفاجئة، وطاولت التعديلات أربع مواد أساسية، هي الفيزياء والرياضيات وعلوم الحياة واللغة العربية، حيث تم إدخال دروس من خارج التسلسل، رغم أن المركز التربوي كان يصرّ عند طرح أي تعديل على أن ترتيب الدروس «مُقدّس» ولا يمكن تجاوزه.

ويقول معلمون إن ما جرى يطرح تساؤلات جدّية حول الطريقة التي أُديرت بها التعديلات، وحول ضعف المركز التربوي في الدفاع عن القواعد التي ألزم المدارس بها طوال العام الدراسي. ويذهب بعضهم إلى أن الخبراء الذين شاركوا في الاجتماعات جرى تجاوزهم لمصلحة فريق من المستشارين غير المتخصّصين في المناهج، بات يمتلك تأثيراً مباشراً على القرارات النهائية.

وفي خلفية الاعتراضات أيضاً، برز نقاش داخل الجسم التعليمي حول حجم تأثير القطاع الخاص في رسم القرارات التربوية، خصوصاً أن بعض المعلّمين يعتبرون أن صوت ممثّلي المدارس الخاصة بات أكثر تأثيراً من صوت التعليم الرسمي، رغم أن القطاع الرسمي كان الأكثر تضرراً خلال الحرب.

كذلك توسّعت الاعتراضات لتشمل ما اعتبره أساتذة تناقضاً بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية. فبينما جرى الترويج مراراً لما وصفته الوزارة بـ«النهج التشاركي» في إدارة الملف التربوي، عكست القرارات النهائية مساراً معاكساً تماماً، سواء لناحية تعديل مخرجات اللجان بعد انتهاء الاجتماعات، أو لجهة التراجع عن وعود سابقة مرتبطة بموعد الامتحانات الرسمية.

وبحسب مشاركين في الاجتماعات، فقد تحدّثت الوزيرة سابقاً، أمام جهات تربوية، عن اتجاه لتأخير موعد الدورة الأولى للثانوية العامة إلى ما بعد منتصف تموز، قبل أن يُفاجأ الجميع لاحقاً بتثبيت موعد 29 حزيران، في خطوة اعتبرها عدد من المعلّمين عامل ضغط إضافياً على الطلاب، خصوصاً مع زيادة بعض الدروس المطلوبة وضيق الوقت المتبقّي للتحضير.

وبالنسبة إلى كثيرين داخل الجسم التعليمي، لم تعد القضية قضية تقليصات فقط، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بفلسفة إدارة الأزمة التعليمية في زمن الحرب: هل الأولوية للحفاظ على صورة منهج مكتمل شكلياً من أجل التمويل الخارجي، أم لضمان حدّ أدنى من العدالة التربوية بين طلاب عاشوا ظروفاً مختلفة جذرياً؟ وهل يمكن الحديث عن تكافؤ فرص فعلي، فيما لا يزال جزء من الطلاب أساساً خارج القدرة على الوصول المتساوي إلى التعليم؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img