عون “كسر الجرّة”: “طلاق بائن” بين “التيار” و”الحزب”؟

| خلود شحادة |

أتم رئيس الجمهورية السابق ميشال عون عامه الـ89، وبدأ العام الجديد، على ما يبدو، بشعار “new year.. new me”.

أطل الرئيس السابق عبر الشاشة “البرتقالية” في حديث خاص، وأطلق كلاماً استدرج علامات استفهام وتعجب كثيرة، من المعنيين في خطابه، وبالدرجة الأولى من القيادات في “حزب الله”.

خضع كلام عون لكثير من التدقيق والتمحيص، في عباراته “المشفّرة” و”المباشرة”، ودارت حلقات النقاش في البيئة المحيطة بـ”حزب الله”، خصوصاً تلك التي كانت تتحفّظ دائماً على “الغرق” في دعم عون خلال السنوات الماضية، والقفز فوق خرق “التيار الوطني الحر” المتكرر لـ”اتفاق مار مخايل”.

لطالما كان موضوع “الذوبان” الجماهيري بين الحزب و”التيار” موضع نقاش وسجال طويل، بين مؤيد ومعارض، داخل بيئة “حزب الله”، وفي الحاضنة الشعبية بشكل أكبر.

ولطالما تقبّل “حزب الله” فكرة “التباين” بينه وبين “التيار”، في الشؤون السياسية الداخلية، إلا أن الأخير لم يتقبل أي اختلاف في الرأي والممارسة لـ”حزب الله”، ومارس خلال عهد الرئيس عون، ما أسماه البعض “الابتزاز السياسي”، حيث كان “التيار”، عبر مسؤوليه عموماً، ورئيسه جبران باسيل تحديداً، “يمنّنون” الحزب بوقوفهم إلى جانب المهجّرين من الجنوب والضاحية الجنوبية في حرب تموز 2006.

وعلى مدى سنوات، تعرض اتفاق “مار مخايل” لضربات كثيرة من أيدي رئيس “التيار” جبران باسيل، فترنّح مراراً، ولولا قبضة يد “حزب الله” التي كانت حريصة على حماية “مار مخايل”، لكان هذا الاتفاق سقط منذ فترة طويلة.

لكن “مار مخايل” الذي “تصدّع” في السنة الأخيرة من عهد عون وما بعدها حتى اليوم، انهار هذه المرة بشكل كامل، لأن “الضربة القاضية” كانت من ميشال عون الذي أسقط التمايز الذي فصل طويلاً بين مواقف عون وباسيل، حيث تماهى خطاب “العم” مع لغة “صهره” إلى حد كبير.

ليس عابراً كلام عون، بل هو يعلن بدء مرحلة جديدة في العلاقة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، وهذا يعني تغيير “أجندة” التيار، رغم بقاء “أجندة” الحزب على حالها.

هذا التغيير المباغت صاغ ميشال عون عناوينه “عن سبق الإصرار والترصّد”، ويمكن تلخيصها كما يلي:

في السياسة الداخلية:

كان عون واضحاً بالتكرار والتشديد على اللامركزية المالية والإدارية الموسعة، محاولاً تلطيفها بأنها لا تعني التقسيم والفيدرالية، والذي كان بنداً أساسياً في التفاهم بينه وبين الحزب، واضعاً هذا البند شرطاً أساسياً على الرئيس العتيد.

قطع عون “شعرة معاوية” في احتمال التفاهم على ترشيح رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية، عندما اعتبر أن “ترجمة تطورات غزة والجنوب بصفقة رئاسية، أمر غير جائز سيادياً، وإلا تكون تضحيات الشهداء ذهبت سدى وتكون أكبر خسارة للبنان”، متهماً الحزب ـ ضمناً ـ بمحاولة الاستثمار في أحداث الجنوب لتسهيل وصول فرنجية إلى سدة الرئاسة.

أعلنها عون على الملأ: “تحالفات الحزب أصبحت لا تناسب التيار ومصالحه”، ذلك عبر إعلان موقفه من الحكومة التي اعتبرها “غير شرعية”، غمزاً من قناة “حزب الله” لتغطيته تعيين رئيس الأركان في الجيش اللبناني.

كذلك، لوّح عون باحتمال سقوط اتفاق “الطائف”، بسبب “الممارسات” السياسية للسلطة الحاكمة في هذه المرحلة، في ظل “استيلاء” الحكومة ـ بحسب تعبيره ـ على صلاحيات رئيس الجمهورية في مرحلة الفراغ الرئاسي.

في الاستراتيجية:

ابتعد ميشال عون بالكامل عن “حزب الله”، وأطلق رصاصة الرحمة، على مفاعيل اتفاق “مار مخايل”، وعلى أي تنسيق محتمل مع “حزب الله”، وظهر ذلك من خلال موقفه من الحرب الدائرة في جنوب لبنان بين المقاومة وجيش الاحتلال، وهو الموقف النقيض لموقفه خلال حرب تموز، والذي كان نتاجه تسميته بـ”الرئيس المقاوم”.

عون اتهم “حزب الله” أنه أقحم لبنان بالحرب، معتمداً على قرار قسم من الشعب اللبناني، لا قرار الشعب، ورافضاً فكرة دمج المصير اللبناني بالمصير الفلسطيني، وناكراً لمبدأ أن الدخول العسكري للمقاومة اللبنانية، كان هدفه استباق أي عملية عسكرية قد تقوم به القوات الصهيونية قائلاً: “القول إن الاشتراك بالحرب استباق لاعتداء إسرائيلي على لبنان، هو مجرد رأي، والدخول في المواجهة قد لا يبعد الخطر بل يزيده”.

شكّل هذا الموقف “رصاصة الرحمة” التي أصابت قلب “اتفاق مار مخايل”، بعد أن ضرب عون عرض الحائط “جوهر العلاقة” التي كانت سبباً في تمتين أواصر التحالف بين الفريقين.

بعد هذا الكلام، لم يعد “حزب الله” قادراً على تجاهل ما قاله ميشال عون، الذي أعلن “الطلاق ثلاثاً” على هذه العلاقة التي سادها “طلوع ونزول” على مدى 18 عاماً.

هذا “الطلاق البائن”، سينتج انقساماً حاداً في الساحة السياسية اللبنانية، وسيؤدي إلى اصطفافات جديدة، يصعب رسم خريطتها قبل أن تهدأ المدافع والصواريخ في غزة.. ولبنان.