| مرسال الترس |
تدور شكوك كبيرة إزاء الفارق بين ما يدلي به المسؤولون عادةً في تصريحاتهم ومواقفهم العلنية، وما يتخذونه من إجراءات تخدم مصالح بلادهم واستراتيجياتها، قبل أي فريق آخر.
وانطلاقاً من ذلك، يجب تذكّر المثل القائل: “ما حكّ جسمك مثل ظفرك”، لأن أي اتكال على الخارج لا يعدو كونه مرحلة عابرة في تاريخ الشعوب. فالأهم دائماً هو اقتناع أبناء الوطن بوجوب توحيد جهودهم، كي يتمكنوا من مواجهة أي مؤامرات أو مكائد ينصبها الطامعون بهم.
وفي هذا السياق، ظنّ العديد من المتابعين للسياسة اللبنانية أن “الكلام المنمّق” الذي أدلى به الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدى استقباله رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، في تموز الماضي، كان تعبيراً عن إعجابه الشديد بشخصية الرئيس اللبناني، بعدما أثنى على “قيادته الحاسمة للبنان في هذه المرحلة الصعبة”.
وربما كان ذلك أيضاً بسبب أصول صهره، مايكل بولس، اللبنانية العريقة، ما جعل البعض يعتقد أن ترامب بات “مُهَيَّماً” بحب لبنان وجغرافيته وخريطته التي رسمها المنتدب الفرنسي. وقد قال يومها: “سنحلّ كثيراً من المشاكل للبنان بعدما حللنا بعضها بالفعل، وأعتقد أن لبنان بلد أُسيئت معاملته لفترة طويلة”.
وأضاف أن الولايات المتحدة ستعيد لبنان إلى سابق عظمته، بعدما نسيه العالم.
وليلتها، نام اللبنانيون على الظنّ بأنهم ربحوا أكبر جائزة “لوتو” في العالم، ليكتشفوا بعد وقت قصير أن كل ذلك الكلام لم يكن إلا تمهيداً لدعوة لبنان للانضمام إلى “الاتفاقات الإبراهيمية”، والسعي إلى إلغاء كل ما يمتّ بصلة إلى العداء مع “إسرائيل”، والتوجه نحو إقامة سلام معها، وإلحاق لبنان بمسار تطبيع غير مسبوق.
ويوماً بعد آخر، يلاحظ اللبنانيون أن الضغط الأميركي والإسرائيلي يزداد على لبنان من أجل “نزع” سلاح “حزب الله” بأي طريقة متاحة، حتى لو دفعت البلد إلى الانزلاق نحو صراعات داخلية، أو حتى “حرب أهلية”، بهدف إراحة “إسرائيل”. كما أن المفاوضات المباشرة التي بدأها لبنان مع “إسرائيل” دخلت في نفق لا يبدو أن له نهاية، بفعل المماطلة والتسويف.
أما الحديث عن “المناطق التجريبية” التي يُفترض أن تمهّد للانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، فقد تحوّل إلى ما يشبه “فقاعات الصابون” التي تتلاشى في الهواء.
وضمن هذه الأجواء الضبابية، التي تتلطّى حيناً خلف الانتخابات الإسرائيلية، وحيناً آخر خلف الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية، برز موقف للرئيس السابق لـ”ألحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، أكد فيه أن الرئيس ترامب منح رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “تفويضاً كاملاً”، وأطلق يده أكثر فأكثر في لبنان والمنطقة.
وقد صدر هذا الموقف قبل ظهور النتائج التي شكّلت هزيمة قاسية للحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية. فهل يمكن أن تدفع هذه النتائج الرئيس ترامب إلى تبديل سياسته تجاه لبنان، وهو المعروف عنه أنه يتخذ مواقف متناقضة خلال فترات زمنية قصيرة، ولا سيما أن السلطة اللبنانية لم تحقق له ما كان يطمح إليه من خلال مطالبه؟
وفي جميع الأحوال، سواء بقي نتنياهو رئيساً لحكومة العدو، أو حلّ غادي آيزنكوت أو غيره مكانه، فإن التفويض الأميركي سيبقى مهيمناً في سماء لبنان، فيما قد لا يكون كلام الرئيس الأميركي عن لبنان سوى موقف مرحلي، ولا سيما أنه أكد في أحدث تصريحاته أن “إسرائيل” تبقى الخيار الأول بالنسبة إلى الولايات المتحدة.


