لم يكن البيان الذي أصدرته سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا واليابان، تحت عنوان “أصدقاء لبنان”، مجرد إعلان دعم تقليدي لسيادة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح بيدها. فالصياغة التي اعتمدها، والتوقيت الذي اختير لنشره، والجهات التي توجه إليها، تكشف عن محاولة للانتقال من تأييد مبدأ حصرية السلاح إلى المطالبة بتثبيته سياسياً، وتحويله إلى التزام علني تتبناه جميع القوى اللبنانية، لا الحكومة وحدها.
فالبيان لم يكتفِ بالتأكيد على دعم الحكومة اللبنانية في ضمان حصرية السلاح، وأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في شؤون الحرب والسلم، بل ذهب إلى مطالبة جميع أعضاء مجلس النواب وجميع الأحزاب بإعلان تأييدهم لتصريحات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في هذا الشأن.
وهذه الإضافة ليست تفصيلاً لغوياً. فثمة فارق بين أن تعلن خمس سفارات دعمها لسياسة الحكومة، وبين أن تطلب من جميع القوى السياسية والنيابية الالتزام العلني بها. ففي الحالة الثانية، يصبح المطلوب أوسع من دعم مؤسسات الدولة، ويتحول إلى محاولة لتكوين مظلة سياسية وطنية حول الموقف الذي يتبناه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ووضع القوى التي تتحفظ عليه أمام اختبار واضح.
بمعنى آخر، لا تريد الدول الخمس أن تبقى حصرية السلاح مجرد عنوان في بيانات الحكومة أو مواقف رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، بل تريد تحويلها إلى مرجعية سياسية يصعب على أي حزب أو كتلة نيابية التنصل منها أو الاكتفاء بمواقف عامة لا تحسم موقعها من قرار الحرب والسلم.
وهذا يضع “حزب الله” في صلب الرسالة، لكنه لا يحصرها به. فالمطالبة تشمل جميع الأحزاب والنواب، بما يعني أن السفارات تريد من القوى اللبنانية الأخرى أيضاً إعلان موقف صريح، لا الاكتفاء بتأييد مبدأ سيادة الدولة بصورة عامة، من دون تأييد واضح للمواقف التي أعلنها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
ومن بين ما يستحق التوقف عنده في البيان، الإشارة إلى قضية ضهر البيدر، حيث أعلنت السفارات أنها تأخذ علماً بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية، وشجعت على مسار قضائي سريع ومستقل، بمنأى عن أي تدخل سياسي، بما يضمن المساءلة الكاملة.
وليس إدراج هذه القضية في البيان أمراً عابراً، خصوصاً أنها تتصل بملف أمني حساس، وباتهامات تتعلق بنقل متفجرات، وبأشخاص مرتبطين بـ”حزب الله”.
وفي الوقت نفسه، فإن الإشارة إلى القضية تمنح الخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية بعداً سياسياً يتجاوز الملف القضائي نفسه، إذ تربطها السفارات عملياً بالمسار الذي تدعو إلى تثبيته، أي تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح والقرار الأمني بها.
أما اختيار السفارات الخمس، فهو بدوره يحمل دلالة سياسية. فالولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا واليابان ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة، وتلتقي في عدد من الملفات الأمنية والسياسية الدولية، فيما تتصدر واشنطن المجموعة بحكم دورها الأساسي في إدارة الملف اللبناني والإقليمي.
كما أن توزيع السفارة الأميركية في بيروت للبيان يعزز الانطباع بأن المبادرة أميركية في جوهرها، وأن واشنطن أرادت إظهار موقفها ضمن إطار جماعي، يمنحه طابعاً أوسع من مجرد إعلان أميركي منفرد.
لكن غياب فرنسا، التي تحتفظ بدور تقليدي في الملف اللبناني، وعدد من الدول الأوروبية والعربية، يجعل من غير الدقيق التعامل مع البيان باعتباره موقفاً دولياً شاملاً أو إجماعاً دولياً صيغ باسم جميع الأطراف المعنية بلبنان. كما أن عدم توقيع فرنسا على هذا البيان يوحي أنه جاء بقرار أميركي لتغييب فرنسا عن أي دور في لبنان.
الرسالة الأكثر مباشرة في البيان موجهة إلى القوى السياسية اللبنانية، التي أصبحت مطالبة، وفق صياغته، بإعلان موقف واضح من مبدأ أن الدولة وحدها صاحبة الحق في اتخاذ قرار الحرب والسلم.
وهذا الطلب يتجاوز الموقف من سلاح “حزب الله” إلى مسألة أكثر جوهرية تتعلق بطبيعة النظام السياسي اللبناني، وحدود صلاحيات مؤسساته، ومن يملك حق اتخاذ القرارات التي يمكن أن تضع البلاد أمام حرب أو مواجهة عسكرية.
ويمكن اعتبار هذا البيان إنذاراً يتضمن التلويح بإجراءات تنفيذية أو عقوبات، وليس فقط باعتباره ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً يراد منه نقل الخلاف إلى مستوى أكثر وضوحاً.
لكن النقطة الأكثر إثارة للجدل في البيان تكمن في ما لم يقله، أكثر مما تكمن في ما قاله.
فالسفارات الخمس تؤكد رغبتها في أن تستعيد الدولة اللبنانية سلطتها السيادية الفعلية كاملة على جميع أراضيها. وهو موقف لا خلاف على مبدئه، لكن تطبيقه لا يمكن أن يقتصر على حصرية السلاح داخل لبنان، فيما لا تزال أجزاء من الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال الإسرائيلي، وتتواصل الاعتداءات والتوغلات والعمليات العسكرية الإسرائيلية.
فكيف يمكن الحديث عن استعادة الدولة سلطتها الفعلية على كامل أراضيها، من دون التطرق إلى مسؤولية “إسرائيل” عن استمرار احتلال أجزاء منها، أو مطالبتها بالانسحاب ووقف الاعتداءات والانتهاكات؟
فالسيادة ليست مجرد احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني داخل حدودها، بل هي أيضاً قدرتها على حماية أرضها ومواطنيها، ومنع أي قوة خارجية من انتهاك حدودها وفرض وقائع عسكرية وأمنية على أراضيها.
ومن هنا، فإن حصرية السلاح واستعادة السيادة ليستا قضيتين متعارضتين، ولا يجوز استخدام إحداهما لتبرير إهمال الأخرى. فإذا كان من حق الدولة أن تحصر بها حق الاستئثار بقرار الحرب والسلم فإن ذلك لا يجوز أن يمنع أي مواطن من تحرير أرضه ولا أن تكون هناك مقاومة للإحتلال الإسرائيلي. كذلك فإن المطالبة بحصرية السلاح، فهذه الحصرية لا تكون على اللبنانيين في ظل وجود احتلال، ولهذا فإن البيان وكأنه يطلب من لبنان منع قبام مقاومة ضد الاحتلال بينما يغمض الأعين عن الاحتلال الإسرائيلي وكأنه يعفي “إسرائيل” من مسؤولية الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة واحترام السيادة اللبنانية.
وإذا كانت الدول الخمس تريد فعلاً أن تستعيد الدولة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها، فإن ذلك يفترض أن يترافق مع موقف واضح يطالب “إسرائيل” بإنهاء احتلالها، ووقف اعتداءاتها، وعدم فرض ترتيبات أمنية أو عسكرية على لبنان خارج إطار احترام سيادته.
أما أن يكون التركيز على ما ينبغي أن تفعله الدولة اللبنانية، من دون تحديد ما ينبغي أن تلتزم به “إسرائيل”، فيعكس مقاربة غير متوازنة للسيادة.
ولا يمكن فصل البيان عن الضغوط الأميركية والدولية المتواصلة على لبنان لحصر السلاح، ولا عن المرحلة الحساسة التي يمر بها البلد، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والخلاف الداخلي حول مستقبل السلاح والتفاوض مع “إسرائيل”.
ويبدو أن الدول الخمس أرادت التأكيد أن موقفها من حصرية السلاح ليس ظرفياً، وأنها تريد من السلطات اللبنانية المضي في المسار الذي أعلنته، مع توسيع قاعدة التأييد السياسي له.
لكن دعم الدولة اللبنانية لا ينبغي أن يتحول إلى تبنٍّ انتقائي لبعض عناصر سيادتها، أو إلى مطالبتها بتحمل مسؤولياتها الداخلية من دون توفير الظروف التي تسمح لها بممارسة سلطتها على كامل أراضيها.
فالدولة التي يُطلب منها أن تحتكر قرار الحرب والسلم، يجب أن تكون قادرة على حماية حدودها ومواطنيها، وأن تحظى بدعم دولي جدي في مواجهة الاحتلال والاعتداءات، لا أن تبقى سيادتها موضوعاً للمطالبة الداخلية وحدها.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لموقف الدول الخمس لا يقتصر على مطالبة القوى اللبنانية بإعلان تأييدها لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، بل يشمل أيضاً مدى استعدادها لممارسة الضغط على “إسرائيل” كي تحترم السيادة اللبنانية، وتنسحب من الأراضي التي تحتلها، وتوقف اعتداءاتها.
والسيادة التي يتحدث عنها البيان لا يمكن أن تكون مسؤولية لبنانية داخلية فقط، ولا يمكن أن تتحول حصرية السلاح إلى عنوان يحجب الاحتلال أو يؤجل البحث في إنهائه.
إن لبنان يحتاج إلى دولة واحدة تملك قرار الحرب والسلم، وتحتكر القوة المسلحة، وتفرض سلطتها على كامل أراضيها. لكن هذه المعادلة لا تكتمل بانتزاع سلطة القرار من القوى اللبنانية خارج الدولة وحدها، بل تتطلب أيضاً إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ومنع أي طرف خارجي من فرض إرادته على لبنان.
بيان السفارات الخمس
وزّعت السفارة الاميركية في بيروت بياناً باسم “أصدقاء لبنان” أصدرته خمس سفارات أكدت فيه دعم سيادة لبنان وحصرية السلاح بيد الدولة، وجاء فيه:
“نحن سفارات المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وكندا واليابان، وبصفتنا أصدقاءً للبنان، نؤكد دعمنا القوي لحكومة لبنان في ضمان حصرية السلاح بيد الدولة، وأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في شؤون الحرب والسلم.
نأخذ علماً بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية في قضية ضهر البيدر، ونشجّع على مسار قضائي سريع ومستقل، بمنأى عن أيّ تدخل سياسي، بما يضمن المساءلة الكاملة.
ومن الضروري أيضاً بالنسبة للبنان، في ظل الظروف الراهنة، الحصول على التزام علني وواضح من جميع أعضاء مجلس النواب وجميع الأحزاب يؤكدون فيه تأييدهم لتصريحات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بأن الدولة اللبنانية وحدها صاحبة الحق في اتخاذ قرار الحرب والسلم.
كما نعيد التأكيد على رغبتنا الراسخة في أن تستعيد الدولة اللبنانية سلطتها السيادية الفعلية كاملةً على جميع أراضيها”.


