| عماد مرمل |
بعد الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة العملياتية على مرتفعات علي الطاهر، والتصعيد العسكري الذي تلاه، وأدّى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى، طُرحت في أوساط سياسية وشعبية تساؤلات حول سبب صمت “حزب الله”، وعدم ردّه على السردية الإسرائيلية عن علي الطاهر وهجمات المسيّرات المفترضة. فما هو تفسير هذا السلوك اللافت؟
يتعامل “حزب الله” بكثير من الحذر والتأني مع الوقائع السياسية والميدانية، التي تحاول تل أبيب أن تفرضها، مفضّلاً التدقيق والتمهل في خطواته قبل الإقدام عليها، خصوصاً انّ أي دعسة ناقصة فوق الصفيح الساخن قد تكون مكلفة.
يعرف الحزب انّ بيئته تحتاج إلى أجوبة شافية عن أسئلة متداولة حول طبيعة خياراته في مواجهة التصعيد الدامي، وحول حقيقة ما جرى في تلة علي الطاهر، لكنه ارتأى أنّ مقتضيات الميدان والحسابات العسكرية والسياسية تتطلّب في هذه الفترة تحديداً، استخدام سلاح الغموض وعدم الردّ المباشر والعلني على الرواية الإسرائيلية للأحداث، مع معرفته بأنّ سكوته يفسح المجال أمام تلك الرواية حتى تحتكر الأضواء وتملأ الفراغ، ولو إلى حين.
وبهذا المعنى، يدرك الحزب أنّ سياسة الغموض الميداني التي يعتمدها، تساهم في إعطاء حيز للسردية او الدعاية الإسرائيلية، التي بدت ناشطة خلال الأيام الأخيرة على حساب سرديته المنكفئة عن سابق تصور وتصميم، الّا انّه يبدو أنّ هناك أولويات محدّدة ومعايير دقيقة تفرض إيقاعها على تكتيكات الحزب الإعلامية، ويتمّ بموجبها التمييز بين المسموح والمحظور.
وتلفت أوساط قريبة من الحزب، إلى أنّه التزم منذ منتصف شهر حزيران الماضي الصمت حيال كل ما يجري في منطقة علي الطاهر، وتفادى التعليق على جميع البيانات الإسرائيلية التي تحدثت عن حصول عمليات او مواجهات هناك، “وذلك بغية عدم إعطاء قيادة الاحتلال أي إشارة إزاء ما يفعله أو يخطط له الحزب، الذي يعتبر انّ إدارة الأمور الميدانية في هذه المرحلة يجب أن تتمّ في الظلّ، وبالتالي بقيت قاعدته تلك سارية على الفصل الأخير من قصة علي الطاهر، حيث لم يصدر عنه أي موقف مما أعلنه بنيامين نتنياهو عن سيطرة عملياتية”.
لكن الأوساط تشدّد على أنّ الأكيد هو أنّ القيادة الإسرائيلية لم تنل كل ما أرادته في “علي الطاهر”، وتحديداً لناحية التقاط صورة استسلام المقاتلين وخروجهم رافعين أيديهم، كما كان بعض الجهات الاسرائيلية يُروج سابقاً، مشيرة إلى انّ نتنياهو كان يبحث عن واقعة استسلام لتوثيقها واستثمارها سياسياً وانتخابياً في داخل الكيان، لكنه لم يفلح في هذا الجانب الدعائي.
وتوضح الأوساط، انّ ما دفع الحزب إلى مواصلة صمته، هو انّ المعركة لم تنته عند حدود موقع علي الطاهر، “إذ انّ العدو الإسرائيلي قد يسعى إلى التمدد نحو التلال او المناطق المحيطة به، ولذا فإنّ المقاومة لن تكشف اياً من أوراقها حالياً، وتفضّل أن تُبقي جيش الاحتلال حائراً إزاء حقيقة نياتها”.
وتبعاً لمقاربة الأوساط القريبة من الحزب، يرتبط التصعيد الكبير الذي سُجّل أخيراً في الجنوب، على نحو أساسي، بحاجة نتنياهو إلى رفع منسوب الاعتداءات والدماء، في إطار محاولة تحسين وضعه الإنتخابي المهزوز ورفع أرقامه المتراجعة في استطلاعات الرأي، “إنما من دون أن يصل إلى درجة شن حرب واسعة لا تتحمّس لها واشنطن راهناً، أي انّ نتنياهو يسعى إلى أن يحقق ما يريد من دون أن يُغضب دونالد ترامب، عبر تجاوز الخط الأحمر الذي رسمه”.
وبناءً على تقديرات الأوساط، فإنّ نتنياهو يتصرف من منطلق أنّ الإنتخابات المقبلة هي بالنسبة اليه مسألة حياة أو موت بالمعنى السياسي، “ولذلك هو مستعد لفعل الحدّ الأقصى الممكن، تحت السقف المرسوم أميركياً، حتى ينجو ويعود إلى السلطة، لأنّه يعلم أنّ خروجه منها سيكون مكلفاً جداً له، خصوصاً في ظل المحاكمات التي تنتظره”.



