| خلود شحادة |
لم تكن مرتفعات “علي الطاهر”، طوال السنوات الماضية، مجرد نقطة جغرافية عابرة في جنوب لبنان. فمنذ نحو ثلاث سنوات، تتعرض المنطقة لقصف واستهداف إسرائيلي متواصل، فيما بقيت طبيعة المنشآت العسكرية الموجودة فيها، وحجمها ووظيفتها، محاطة بقدر كبير من الغموض.
اليوم، وبعد هذا المسار الطويل من الاستهداف، خرج جيش الإحتلال الإسرائيلي ليعلن ما أسماه “سيطرة عملياتية” على مرتفعات “علي الطاهر”، فوق الأرض وتحتها، في إعلان سرعان ما تحوّل إلى عنوان سياسي وإعلامي كبير، تبنّاه بعض الإعلام اللبناني على أنه “انتصار”!
لكن، بعيدًا من لغة العدو، التي تعتمد على زراعة الوهم عبر تضخيم الحدث، ومن ثم اعلانه انتصاره، يبقى السؤال الأهم: ماذا تعني تحديدًا “السيطرة العملياتية”؟ وهل تعني سيطرة ميدانية شاملة ودائمة على التلة، أم أنها توصيف لمرحلة من عملية عسكرية محددة؟
رواية العدو نفسها تترك الباب مفتوحًا أمام أكثر من قراءة. فالعدو يقول إنه “طهّر” مسارين تحت الأرض، وإنه عثر على غرف عمليات ومرافق عسكرية ومعيشية، لكنه يقول في الوقت نفسه إن النشاط الهادف إلى تحييد البنية التحتية تحت الأرض لا يزال مستمرًا، وإن القوات ستعيد الانتشار في مرتفعات علي الطاهر وفقًا للتطورات والوضع الميداني.
هنا تحديدًا تكمن إحدى أبرز الثغرات في الرواية: إذا كانت “إسرائيل” قد حققت السيطرة بالفعل كما تدّعي، فلماذا لا تزال تتحدث عن استكمال أعمال التحييد والتدمير، ثم عن إعادة الانتشار؟ فالسيطرة العسكرية ليست مجرد دخول إلى موقع أو استهداف منشأة أو كشف ممرات وأنفاق. السيطرة، بمفهومها الميداني، تفترض القدرة على فرض الإرادة على الأرض والمحافظة على الوجود فيها وتأمينه. أما أن تنتهي مرحلة من العمليات بتدمير أجزاء من البنية التحتية ثم إعادة الانتشار وفقًا للظروف، فهذا لا يساوي بالضرورة احتلالًا ميدانيًا مستدامًا لكل نقطة في التلة.
حتى عبارة “استهداف فتحات الأنفاق” تحتاج إلى قراءة دقيقة. استهداف مداخل أو فتحات بنية تحت الأرض لا يعني تلقائيًا السيطرة على كامل المنشأة، تمامًا كما أن الوصول إلى جزء من شبكة أنفاق لا يثبت السيطرة على كامل الموقع. وإذا كان العدو الإسرائيلي يتحدث عن مسارين تحت الأرض، فيجب الفصل بين الحديث عن الأنفاق وبين الحديث عن المنشأة العسكرية ككل، وبين الاثنين وبين السيطرة الميدانية الكاملة على مرتفعات علي الطاهر.
الأكثر أهمية، أن معظم ما يُتداول اليوم عن طبيعة الموقع وأهميته الاستراتيجية مصدره الرواية الإسرائيلية نفسها. “إسرائيل” هي التي رفعت تلة “علي الطاهر” إلى مستوى موقع عسكري بالغ الأهمية، وهي التي قدّمت المنشأة الموجودة فيه باعتبارها مركزًا مهمًا للقيادة والسيطرة، فيما لم تقدّم المقاومة، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، رواية تفصيلية مقابلة حول طبيعة المنشأة أو وظيفتها أو حجمها. ومن هنا، فإن غياب الرواية المقابلة، لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى تصديق للرواية الإسرائيلية.
الأزمة الحقيقية، كانت بتبني هذه الرواية، حتى بالنية الحسنة لدى جمهور المقاومة، مما أدّى إلى تحقيق الهدف الصهيوني، الذي يخدم الدعاية الانتخابية لبنيامين نتنياهو.
فالمقاومة، منذ نحو ثلاثة أشهر، تعتمد في هذه المواجهة سياسة يمكن وصفها بالغموض البناء، ولم تصدر بيانات تفصيلية بشأن ما يجري في “علي الطاهر”، رغم الإعلانات الإسرائيلية المتكررة عن عمليات واستهدافات وخسائر قال العدو الإسرائيلي إن المقاومة تكبدتها في الجنوب. ولذلك، فإن الصمت الإعلامي لا يعني بالضرورة غياب الفعل الميداني، كما أن عدم وجود رواية مقابلة لا يمنح الرواية الإسرائيلية حصانة من التشكيك أو التدقيق.
ومن النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضًا، الحديث الإسرائيلي عن عدم وجود مستشارين أو ضباط إيرانيين داخل أنفاق “علي الطاهر”. هذا الاستنتاج، بحد ذاته، يحتاج إلى تفسير: على أي أساس جرى الجزم بعدم وجود إيرانيين؟ إذا كانوا قد أسروا من في الداخل، لماذا لم تسوق للأمر إعلامياً ليخدم دعايتها؟ هل تملك “إسرائيل” معلومات استخبارية كاملة ومباشرة عن كل من كان داخل المنشأة.. إذاً لماذا استنزفت كل الوقت الذي مضى، أم أن هذا جزء من الرسالة السياسية والإعلامية التي تريد تقديمها إلى الجمهور؟ وفي الحالتين، يبقى من الضروري التعامل مع هذه المعلومة بوصفها جزءًا من الرواية الإسرائيلية، لا حقيقة مستقلة مثبتة.
وفي السياق نفسه، لا بد من الانتباه إلى مسألة اختزال الموقع كله في “منشأة” واحدة. فالمعطيات المتداولة تتحدث عن أكثر من منشأة مرتبطة بمنطقة علي الطاهر، فيما سبق لـ”إسرائيل” أن أعلنت استهداف منشآت في محيطها. وبالتالي، فإن إعلان “السيطرة” من دون تحديد واضح لما تمت السيطرة عليه فعليًا، وما إذا كان المقصود هو التلة بكاملها، أم منشأة بعينها، أم أجزاء من البنية التحتية تحت الأرض، يجعل المصطلح نفسه بحاجة إلى تفكيك بدل التعامل معه كحقيقة عسكرية مكتملة.
أما سياسيًا، فالتوقيت ليس تفصيلًا ثانويًا. فقد جاء الإعلان الإسرائيلي في لحظة شديدة الحساسية، بالتزامن مع تطورات مرتبطة بملف الأسرى والمفاوضات، وفي ظل مسار سياسي إسرائيلي داخلي معقّد. كما أن رئيس وزراء الإحتلال بنيامين نتنياهو لم يكتفِ بالحديث العسكري، بل قدّم السيطرة على “علي الطاهر” باعتبارها إنجازًا أمنيًا، معلنًا أن المرتفعات “لم تعد تشكّل تهديدًا” لـ”إسرائيل”!
وهنا تصبح تلة “علي الطاهر” أكثر من موقع عسكري في الخطاب الصهيوني: تصبح ورقة سياسية أيضًا. فحين يُرفع موقع لبناني إلى واجهة الخطاب الأمني الإسرائيلي، ويُقدَّم للرأي العام على أنه تهديد استراتيجي جرى “القضاء عليه”، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان حجم الاهتمام بالموقع يعكس فقط ضرورته العسكرية، أم يخدم كذلك حاجة سياسية إلى تقديم إنجاز ميداني في توقيت بالغ الحساسية.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن الاتفاق الذي دخل حيّز التنفيذ بين لبنان وكيان الإحتلال في 26 حزيران، والذي نص على انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وفق ما أوردته تقارير عن الاتفاق. وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسي: لماذا لم يتحول “علي الطاهر” إلى عنوان إسرائيلي بهذه الحدة إلا بعد هذا المسار السياسي؟ وهل منح الاتفاق “إسرائيل”، عمليًا، هامشًا أوسع للتحرك العسكري تحت عنوان تطبيق ترتيباتها الأمنية؟
أما مسألة تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، فتحتاج بدورها إلى وضعها في إطارها السياسي والعسكري. فوفق الطرح المتداول، لم تكن المسألة ببساطة أن المقاومة رفضت تسليم الموقع، إذ إن الموقف المنسوب إلى الجيش اللبناني كان يقوم على أنه لا يستطيع تسلّم موقع لا يملك القدرة على الدفاع عنه، في ظل عدم وجود ضمانات بأن العدو الإسرائيلي لن يعاود دخوله أو استهدافه. كما أن موقع “علي الطاهر” يقع شمال نهر الليطاني، وبالتالي فهو لا يدخل، وفق هذا الطرح، ضمن نطاق ترتيبات المنطقة الواقعة جنوب الليطاني المرتبطة بالقرار 1701، بل يرتبط بالتصور اللبناني الأوسع للاستراتيجية الدفاعية والأمن الوطني.
عسكريًا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من معادلة “دخلت إسرائيل، إذًا سيطرت.. أو بقيت المقاومة إذًا انتصرت”. فطبيعة المواقع المحصنة تحت الأرض تختلف عن القواعد العسكرية التقليدية فوق الأرض. وفي عمل المقاومة، لا تُقاس المعركة فقط بمن بقي في النقطة الجغرافية نفسها، بل بقدرة المقاومة على الحفاظ على قوتها، إرباك الخصم، منعه من تحقيق أهدافه، وإعادة توزيع قواته وفق مقتضيات المعركة.
من هذا المنظور، فإن مفهوم الصمود لا يعني بالضرورة البقاء في الموقع حتى النهاية، كما أن الانكفاء لا يعني تلقائيًا الهزيمة. الانكفاء التكتيكي يمكن أن يكون جزءًا من خطة أوسع للحفاظ على القوة وإعادة التموضع، فيما يمكن أن تتحول القاعدة أو المنشأة نفسها إلى هدف يُستنزف فيه المهاجم بدل أن تكون مجرد أرض يجري الدفاع عنها حتى آخر مقاتل.
وهنا تحديدًا يجب الحذر من تحويل المعركة إلى مباراة إعلامية تختصر معنى الهزيمة والانتصار، فالحسم العسكري لا يُقاس بمصطلح تختاره جهة منخرطة في الحرب لوصف عمليتها، بل بالنتائج التي تبقى على الأرض: هل تستطيع “إسرائيل” الاحتفاظ بالموقع؟ هل تستطيع تأمينه؟ هل تستطيع منع إعادة استخدام المنطقة عسكريًا؟ وهل حققت أهدافها المعلنة فعلًا، أم أن العملية انتهت إلى تدمير أجزاء من بنية تحت الأرض ثم إعادة انتشار وانتظار المرحلة التالية؟
وهل أصلاً الموقع يحظى فعلياً بالأهمية التي تروّج لها؟
لكن الأكيد، أن “علي الطاهر” ليست مضيق هرمز، كما أنها ليست مجرد تلة عسكرية عابرة. أهميتها الحقيقية يجب أن تُقرأ بعيدًا من المبالغة الإعلامية وبعيدًا من الدعاية العسكرية، في ضوء طبيعة الموقع، وظروف المعركة، وأهداف الطرفين، وما سيبقى فعليًا على الأرض بعد انتهاء العمليات.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس من أعلن أنه سيطر، بل من يستطيع أن يثبت ذلك ميدانيًا. والأهم أن المبدأ الأساسي هو شعار تبنّته الشعوب المناضلة: لست مهزوماً ما زلت تقاوم”، فإن الشعب الذي رفض الإحتلال.. ويقاتله رغم كل شيء، لا يمكن اعتباره مهزوم.


