كشفت دراسة طبية جديدة نُشرت في دورية “JAMA Otolaryngology–Head & Neck Surgery” عن وجود ارتباط وثيق بين ضعف حاسة الشم والإصابة بالاكتئاب، مشيرة إلى أن الأشخاص الذين يشعرون بتراجع قدرتهم على الشم هم أكثر عرضة للإصابة بأعراض الاكتئاب مقارنة بغيرهم، فيما يظل هذا الارتباط أكثر وضوحاً لدى كبار السن والمصابين بفقدان كامل لحاسة الشم.
وأجرى الدراسة الدكتور هنري بودي، من معهد كارولينسكا في العاصمة السويدية ستوكهولم، بالتعاون مع فريق من الباحثين، بهدف تقييم العلاقة بين نوعين من اضطرابات حاسة الشم والاكتئاب.
واعتمد الباحثون على مراجعة وتحليل نتائج دراسات علمية سابقة، شملت سبع دراسات تناولت العلاقة بين ضعف الشم الذاتي، وهو الشعور الشخصي بضعف القدرة على الشم دون اختبارات طبية، و11 دراسة بحثت في ضعف الشم الموضوعي، الذي يتم تشخيصه بواسطة اختبارات وأجهزة طبية متخصصة.
وضمت الدراسات آلاف المشاركين من فئات عمرية مختلفة، كما استخدمت أساليب متنوعة لتقييم الاكتئاب، سواء من خلال استبيانات يعتمد فيها المشاركون على وصف حالتهم النفسية، أو عبر تشخيصات طبية سريرية.
وأظهرت نتائج التحليل أن الأشخاص الذين يشعرون بأن قدرتهم على الشم تراجعت كانوا أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بنسبة تراوحت بين 19 و105 في المئة مقارنة بالأشخاص الذين لا يعانون من هذه المشكلة، فيما بلغ متوسط زيادة احتمال الإصابة بالاكتئاب نحو 56 في المئة.
ولاحظ الباحثون أن قوة هذا الارتباط لم تتراجع حتى بعد استبعاد الدراسات الأقل جودة أو الأكثر عرضة للتحيز، بل ارتفع متوسط العلاقة إلى نحو 71 في المئة، وهو ما اعتبره الفريق البحثي دليلاً إضافياً على أن العلاقة بين الشعور بضعف الشم والاكتئاب ليست مجرد مصادفة إحصائية.
كما أظهرت النتائج أن هذا الارتباط بقي ثابتاً بغض النظر عن الفئة العمرية أو طريقة تشخيص الاكتئاب، سواء كان التشخيص مبنياً على تقييم الشخص لحالته النفسية أو على تقييم طبي متخصص.
أما في ما يتعلق بضعف الشم الموضوعي، الذي يتم قياسه عبر اختبارات طبية، فقد أظهرت النتائج الأولية أن المصابين بهذه الحالة لديهم احتمال أكبر للإصابة بالاكتئاب بنسبة تبلغ نحو 26 في المئة مقارنة بغيرهم.
إلا أن الباحثين أوضحوا أن هذا الارتباط تراجع بعد إجراء تعديلات إحصائية أخذت في الاعتبار ما يُعرف بـ”التحيز النشري”، وهو ميل الدراسات المنشورة إلى إظهار النتائج الإيجابية أكثر من النتائج السلبية، الأمر الذي جعل العلاقة بين ضعف الشم الموضوعي والاكتئاب أقل وضوحاً من الناحية الإحصائية.
ورغم ذلك، بقيت العلاقة قوية في مجموعتين محددتين، هما الأشخاص الذين تجاوزوا سن الخامسة والستين، والأشخاص المصابون بفقدان كامل لحاسة الشم، أو ما يعرف طبياً بـ”الأنوسميا”، حيث ظل خطر الإصابة بالاكتئاب لديهم أعلى مقارنة بغيرهم.
وأشار الباحثون إلى أن النتائج تدعم فرضية وجود علاقة بين حاسة الشم والصحة النفسية، إذ ترتبط مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة الروائح بالمناطق المسؤولة عن تنظيم المشاعر والانفعالات، ما قد يفسر هذا الترابط.
وفي المقابل، شدد الفريق البحثي على أن الأدلة العلمية الحالية لا تزال غير كافية لاعتماد ضعف حاسة الشم كوسيلة لتشخيص الاكتئاب أو لتوصية الأطباء بإجراء اختبارات شم روتينية للكشف عن الاضطرابات النفسية.
وخلصت الدراسة إلى أن تراجع حاسة الشم، ولا سيما عندما يشعر به الشخص بنفسه، قد يكون مؤشراً مهماً يستحق اهتمام الأطباء عند تقييم الحالة النفسية للمرضى، مؤكدة في الوقت نفسه الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد طبيعة العلاقة بين اضطرابات الشم والاكتئاب، وإمكانية الاستفادة منها مستقبلاً في تحسين أساليب التشخيص والعلاج.


