spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderبين طهران وواشنطن.. هل أصبحت السيادة الوطنية "وجهة نظر"؟

بين طهران وواشنطن.. هل أصبحت السيادة الوطنية “وجهة نظر”؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| إيڤاريتا جعفر |

في الفلسفة القانونية وصُلب الدستور اللبناني، تُعرَّف “السيادة الوطنية” بأنها حق مطلق لا يقبل التجزئة أو النسبية. إلا أن هذا الثابت الدستوري يواجه اليوم اختباراً حقيقياً وأزمة حادة تضعه “الانتقائية السياسية” تحت المجهر؛ وهي مفارقة تجلّت بوضوح في المقابلة الأخيرة لرئيس الجمهورية اللبناني جوزاف عون مع شبكة “CNN” الأميركية، لتطرح تصريحاته تساؤلاً جوهرياً: هل تحوّلت السيادة في قاموس السلطة الرسمية من مبدأ دستوري صارم إلى وجهة نظر تُفصَّل على مقاس العواصم الخارجية؟

في القراءة الواقعية للمشهد، يبدو أن مصطلح “حماية السيادة” بات يُستخدم في الخطاب الرسمي كأداة انتقائية لتصفية الحسابات السياسية أكثر منه مبدأً وطنياً ثابتاً. ويتجلّى هذا التناقض بوضوح في تركيز الهجوم الإعلامي والسياسي الرسمي على تصوير العلاقات الإقليمية، وتحديداً مع طهران، على أنها “تدخل ووصاية”، بالرغم من غياب أي إملاءات ميدانية أو دستورية مباشرة تفرضها إيران على مؤسسات الدولة، بل ووضعها وقف إطلاق النار كأولوية قصوى في كواليس المفاوضات الإقليمية لحماية لبنان.

في المقابل، تُظهر السلطة مرونة مفرطة وقبولاً تاماً للإملاءات والشروط الأميركية الصارمة، التي تترجم مباشرة الطروحات الإسرائيلية، مثل بدعة “المناطق التجريبية” وآليات “الرقابة الأمنية” في الجنوب، بما يمس جوهر القرار اللبناني ويتحكم بمفاصل التفاوض.

وتكتسب هذه المفارقة أبعاداً أكثر خطورة بالنظر إلى الخلفية العسكرية لرئيس الجمهورية؛ فالرجل الذي أمضى عقوداً في المؤسسة العسكرية وتولّى قيادة الجيش، يدرك أكثر من غيره القوانين والعوامل التي تحكم الميدان، ويعلم علم اليقين أن العمليات العسكرية التي يشنها الاحتلال ليست سوى أعمال عدوانية تفتقر إلى الشرعية الدولية، وأن هدفها الوحيد هو فرض التفاوض تحت النار. وبناءً على هذه الخلفية التي تفهم لغة القوة والضغط، كان يُفترض بالموقف الرسمي أن يكون خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الغطرسة، بدلاً من تبنّي خطاب يبرّر، بصورة غير مباشرة، الرضوخ للإملاءات القادمة من واشنطن تحت مسمى “الواقعية السياسية”.

والأخطر من ذلك هو ارتماء السلطة السياسية في مسار تفاوضي مباشر مع العدو يُدار تحت النار ووفق التوقيت الأميركي، في خطوة لا تمثل رضوخاً سياسياً فحسب، بل تُعد خرقاً دستورياً فاضحاً ومخالفة صريحة لقانون مقاطعة العدو الإسرائيلي الصادر عام 1955. وهنا تظهر الازدواجية بصورة يصعب تقبّلها؛ إذ يُدان قانونياً وسياسياً من يفاوض إقليمياً لوقف العدوان وتأمين الحماية، بينما يُجرّ لبنان رسمياً إلى تفاوض مباشر وغير قانوني مع احتلال يعمد، قبيل كل جولة تفاوضية، إلى تصعيد عدوانه الميداني وتوسيع رقعة الغارات والقتل لفرض شروطه بالدم.

إن هذا المسار لا يشكل مجرد تراجع دبلوماسي، بل هو تفكيك ممنهج لما تبقى من هيبة الدولة ومؤسساتها الدستورية، وفق ما يرى دستوريون وقانونيون وسياسيون. فعندما تتحول السيادة في أعلى هرم السلطة إلى “مادة مرنة” تُقاس بمكيالين، تسقط هذه السلطة بيديها مشروعيتها القانونية والأخلاقية أمام الشعب. وهنا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن لمن يخرق قانون مقاطعة العدو ويقبل بإملاءات عواصم القرار أن يطالب اللبنانيين بالثقة في مؤسسات الدولة؟ إن خطورة هذا النهج تكمن في أنه يشرعن فكرة أن القوانين والدستور في لبنان ليسا ثوابت ملزمة، بل مجرد نصوص انتقائية تُستخدم كأوراق سياسية لتبرير التموضع، ما يترك الوطن مكشوفاً بلا غطاء قانوني يحميه.

وفي العمق، لا يمكن فصل هذا الهوان السياسي عن الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية والمناطقية والفساد المستشري. فلو كانت الدولة اللبنانية قوية ومتماسكة، وامتلكت سلطة سياسية حريصة تنتهز الفرص لبناء مؤسسات حقيقية وتسليح الجيش اللبناني بما يلزم لحماية الأرض والجو والبحر، لما كانت هناك حاجة أصلاً إلى بروز المقاومة؛ إذ إن المقاومة لم تكن يوماً خياراً للالتفاف على الدولة، بل كانت نتيجة حتمية ومباشرة لغيابها وتخلّيها عن واجباتها الدفاعية.

إن نشوء المقاومة وصمودها هما التعبير الطبيعي عن ملء الفراغ الذي خلّفه عجز السلطة التي فشلت في حماية مواطنيها، فاختارت المقاومة صون السيادة بالفعل، في وقت حوّلتها السلطة إلى مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي.

في الخلاصة، السيادة ليست شعاراً نرفعه حين نشاء وننساه حين نشاء، بل هي موقف شجاع يحمي البلد، وصونٌ لمبادئ الدستور وقوانينه. إن استمرار السلطة في التفاوض المباشر وغير القانوني تحت النار لا يحمي لبنان، بل يضعفه. والواقع اليوم يثبت حقيقة واحدة: بينما تحوّلت السيادة لدى السلطة إلى مجرد “وجهة نظر” تخضع للمصالح والتسويات، تبقى السيادة الحقيقية والمشروعة في الميدان؛ هناك حيث يصون الصامدون كرامة هذا الوطن، بصورتها الأسمى المتمثلة في السيادة.

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/GsVKY7K10Ps5CnREsooVzZ?mode=gi_t

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img