
سافرتِ الأنظارُ الى الديمان فتَنَحَّى المشهدُ السياسي قليلاً وتقدّمَ مشهدٌ استثنائي معَ حشدٍ مَلأَ الصَّرحَ البطريركيَّ الصيفي في يومِ تطويبِ البطريرك الياس الحويك ففي وطنٍ يتأرجحُ بين أزَماتِه وأسئلةِ مصيرِه، لا يأتي تطويبُ البطريرك الياس الحويك حَدَثاً كَنَسياً عابِراً، بل لحظةٌ وطنية تعيدُ فتحَ صفَحاتِ التأسيسِ في زمنٍ يكادُ يَنسى فيه اللبنانيونَ معنى الدولة. ومعَ إعلانِ لبنانَ الكبير، دخلَ الحويك التاريخَ بوصفِه أحدَ أبرزِ المساهِمين في ولادة الدولة، في محطةٍ صَنَعتها إرادةُ اللبنانيين كما فَرَضَتها تحوُّلاتُ الإقليمِ والعالم. ومن هنا، لم يبقَ اسمُه في سِجل البطاركة فَحَسْب، بل استقرَّ في ذاكِرة وطنٍ لا يزالُ يبحث، بعدَ أكثرَ من قرنٍ، عن المعنى الذي ناضَلَ الحويك من أجله.. دولةً تتَّسِعُ لجميع أبنائها. واحتفاليةُ الديمان أَعطت سائرَ المِلفاتِ استراحةَ المُحارِب لكنَّ عناوينَ المرحلةِ ما زالت تَفرِضُ حضورَها من بوابة المناطقِ التجريبية وزوطر الشاهدُ الأول على التنفيذ فقد تابع أهاليها في يومٍ جديد مسارَ عودتِهم تحت مِظلة الجيشِ اللبناني يَدخُلونَ ويتفقدون يعايِنونَ دماراً وبيوتاً كانت فيما مَضى ولم تَعُدِ اليومَ على حالها وعلى صورة زوطر الغربية وظروفِها التجريبية يَتحَضَّر لبنان لإستحقاقاتٍ مقبلة على طريق اتفاقِ الإطار ويَسيرُ صوبَ روما الثانية في الرابعِ من آبَ المقبل وفي جُعبته تصورٌ خطيٌّ تطبيقاً للمناطقِ التجريبية من خلال بحثٍ عسكريٍّ تِقْنيٍّ مفصَّل وفي معلوماتِ الجديد، أنّ الذي سوف يَسرِي على ما بعد زوطر الغربية سيَحتاجُ إلى بحثٍ أكثرَ عُمقاً وتفصيلاً بين الوفودِ العسكريةِ المشارِكة وسيكونُ على جدولِ الأعمال البندُ المتعلق بآليةِ التحقق من قِبل طرفٍ ثالث والثالث هذا سيكونُ مشتركاً بين أطرافٍ عربيةٍ وأوروبيةٍ وأسيوية في ظِل عدمِ الرغبةِ الاميركية في المشارَكة علماً أنَّ البحثَ في الأمر لم يُحسَمْ بعد يمشي لبنان صوب روما والمنطقة تعيش على غليانها من خط النار الاميركي الايراني والذي يتأرجح بين تصعيد من هنا واحتمال وساطات من صوب بوابات اسلام اباد وبكين ومسقط إلى اسرائيل وعدوانها المستحدث على الضفة الغربية بتكثيف الهجمات وتشييد البؤر الاستيطانية الجديدة ما يفتح سيناريوهات المرحلة المقبلة على إمكانية اتساع المواجهات علماً أن المسار اللبناني نحج بتحييد نفسه حتى الساعة عن تطورات الاقليم واحتمالاته الدراماتيكية ومن اعتداءات اسرائيل المتكررة على لبنان وغزة والضفة إلى اعتدائها المباشر على المحكمة الجنائية الدولية وحكاية كريمٍ ما خانَ يوماً العدالة والحقيقة من زمن لاهاي ومحكمتها الخاصة بلبنان وإحقاق الحقائق بصولات وجولات كانت فيها الجديد رأس حربة وكان كريم خان حارس القوس ومثبت الوقائع وصولاً إلى الجنائية الدولية والتي انتصرت على زمن خان لأهل غزة والقطاع وأصدرت مذكرتي إعتقال بحق نيتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت للتحقيق معهما بتهم ارتكاب جرائم حرب وكانت أصدرت أيضاً مذكرات توقيف بحق عدد من قيادات حركة حماس دخل المدعي العام كريم خان منطقة الحظر وتجرأ حيث يخشى الاخرون وكان نصيراً لشعب يُباد كل يوم ويولد من جديد وفي اللحظة التي اخذ فيها القرار ردّت اسرائيل بالتحرش بالمحكمة الجنائية الدولية لصالح عزل خان على خلفية اتهامه بارتكاب سلوك جنسي غير لائق فجرى التصويت على عزله في مقر الامم المتحدة وبفعل ضغط اميركي -اسرائيلي لحشد اكبر عدد من الدول للتصويت لصالح العزل وفي أول رد، أعلن محامي كريم خان أن موكله سيطعن في قانونية القرار وسيسعى إلى إنصافه عبر كل السبل القضائية المتاحة ومن معارك الميدان إلى معارك القضاء، فإنّ جولة الباطل ساعة، وجولة الحق حتى قيام الساعة.
*********

حربُ إبادةٍ يوميةٌ تنفذها القواتُ الصهيونيةُ ضدَّ ما تبقى من عمرانٍ في عمومِ القرى الجنوبيةِ المحتلةِ، وحتى تلكَ المحاذيةِ لها، لم تسلمْ منها المدارسُ، ولا المقراتُ الحكوميةُ، ولا مشاريعُ المياهِ، بل كلُّ معالمِ الحياة. فيما السلطةُ اللبنانيةُ التي شرعتْ للعدوِّ فعلتَه باتفاقِ الإطارِ، تحتفي بمعلمِها التجريبيِّ، المترنحِ عند أولِ أحياءِ زوطر الغربية، كمنطقةٍ تجريبيةٍ.
ومع نشرِها للوعودِ التي عادتْ بها من واشنطن كإنجازٍ تاريخيٍّ، سيؤمنُ انسحابًا للمحتلِّ الإسرائيليِّ، أعلنَ الجيشُ العبريُّ اليومَ عن قرارهِ نشرَ ثماني كتائبَ من قواتِه في جنوبِ لبنان، وخمسًا في غزة، وستًّا وعشرينَ في الضفةِ الغربيةِ.
فهلْ من موقفٍ لسلطةِ التفاوضِ؟ أو هل من تفسيرٍ لراعيها الأميركيِّ حول تعزيزِ الاحتلالِ لقواتِه في الأراضي اللبنانية؟ الم يكن من المفترضِ أنَّ اتفاقَ الإطارِ الذي وقعوه هو لتحريرِ تلك الارض من الاحتلال؟ وهلْ نشرُ تلكَ القواتِ دليلٌ على عدمِ وجودِ نوايا عدوانيةٍ تجاهَ لبنان، كما تريدُ أن تُقنعَنا به سلطةُ التفاوضِ وأدواتُها؟
وفيما لبنانُ اليومَ احتفى بتطويبِ الفاتيكان للبطريرك الياس الحويك قديسًا، تقديرا لادواره منها فعاليته كأحدِ مؤسسي دولةِ لبنان الكبير، فلماذا تصرُّ السلطةُ أن تجعلَ لبنانَنا اليومَ صغيرًا، بضربِ سيادتِه وسياستِه وكرامتِه ومنعتِه الوطنيةِ؟
وهي المنعةُ التي لا بديلَ عنها لمواجهةِ السلوكِ والنوايا الصهيونيةِ العدوانيةِ، التي تتجلى بأبشعِ سلوكِها وفي لبنان وغزة والضفة الغربية على مسافةِ أيامٍ من زيارةِ بنيامين نتنياهو إلى البيتِ الأبيضِ، فيما أيامُ المنطقةِ تغلي على تطوراتٍ متسارعةٍ، من مياهِ مضيقِ هرمز إلى مياهِ باب المندب.
أما أبوابُ الحلِّ في المنطقةِ فلا تزالُ ممكنةً، كما يقولُ الوسطاءُ، الذين يسابقونَ الوقتَ قبل وقوعِ الانفجارِ، فيما القواعدُ المطلوبةُ جددها الإيرانيون بأنَّه لا وقفَ مؤقتًا لإطلاقِ النارِ، وإنما العودةُ إلى الالتزامِ بما حددتْه بنودُ اتفاقِ إسلام آباد، مع ضمانِ ألَّا يعاودَ الأميركيُّ التنكيلَ بها حسبَ مزاجِه أو مصالحِه المتقلبةِ.
وأما على المقلبِ اليمني، فإنَّ القاعدةَ التي لا رجوعَ عنها هي: الحصارُ بالحصارِ، والعدوانُ بالعدوانِ، هو ما أكدتْه القواتُ المسلحةُ اليمنيةُ في بيانِها الذي أعلنتْ فيه الردَّ على التصعيدِ السعوديِّ باستهدافِ مطارِ صنعاء والحديدة وكمران، باستهدافِ أهدافٍ حساسةٍ لمنشآتِ أرامكو السعودية في جيزان وينبع، بعشراتِ الصواريخِ الباليستيةِ والمجنحةِ والمسيراتِ، متوعدةً بتصعيدٍ أكبرَ إنْ لم يلتزمِ السعوديُّ بقواعدِ الاشتباكِ، ويبادرْ إلى رفعِ الحصارِ عن اليمنِ وأهلِه.
وحتى يُبادرَ أحدٌ ما إلى انتشالِ دونالد ترامب وحلفائِه في المنطقةِ من مواقفِهم الانتحاريةِ، فإنَّ الاقتصادَ العالميَّ أمامَ أزمةِ طاقةٍ غيرِ مسبوقةٍ، ولن يكونَ بمقدورِ العالمِ تجاوزُها ـ بحسبِ الخبراءِ الاقتصاديينَ ـ، خاصةً وأنها باتتْ ممتدةً من هرمز إلى باب المندب.
**********

في وطنٍ اعتاد أن يصنع من المحنِ رجاءً، أطلَّت اليوم علامةُ رجاء استثنائية، مع إعلان تطويب البطريرك الياس الحويّك، الرجل الذي تجاوز دورُه حدود الكنيسة المارونية، ليصبح بمثابة الأب المؤسس للبنان الكبير، وصوتاً دافع عن حرية شعبه وكرامته في أصعب المراحل.
فليسَ كلَّ يومٍ يشهد لبنان حدثاً يكتب صفحةً جديدةً في تاريخه الروحي والوطني، ذلك أنَّ البطريرك الحويّك لم يكن مجرد راعٍ للكنيسة، بل كان رجل دولةٍ بامتياز، حمل قضية شعبه إلى المحافل الدولية، ودافع عن حق اللبنانيين في الحرية والكرامة والعيش المشترك، في زمنٍ كانت فيه المنطقة تعيش تحولات كبرى. ومن خلال حضوره في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، وإصراره على قيام دولة لبنان الكبير، ساهم في رسم ملامح الكيان اللبناني الذي نعرفه اليوم، مؤمناً بأن لبنان رسالةٌ في الحرية والتعددية والانفتاح.
وفي موازاة دوره الوطني، عُرف البطريرك الحويّك بعمله الإنساني والاجتماعي، فوقف إلى جانب الفقراء والجائعين والمتألمين، خصوصاً خلال سنوات المجاعة والحرب العالمية الأولى، وأسّس مؤسساتٍ رعوية واجتماعية لا تزال آثارُها حاضرة حتى اليوم، واضعاً الإنسان في صلب رسالته المسيحية.
واليوم، ومع إعلان تطويبه، لا تستعيد الكنيسة سيرة بطريركٍ قديسٍ فحسب، بل يستعيد لبنان أيضاً إحدى الشخصيات التي ساهمت في صياغة هويته، وفي ترسيخ فكرة الدولة القائمة على الشراكة والحرية.
إنه حدثٌ يحمل أبعاداً روحيةً ووطنيةً وتاريخية، ويطرح في الوقت نفسه سؤالاً عن معنى الإرث الذي تركه البطريرك الحويّك، وكيف يمكن للبنانيين، في ظل الأزمات التي يعيشها وطنهم، أن يستلهموا من مسيرته قيم الإيمان، والوحدة، والتمسك بلبنان السيد الحر المستقل.
***********

الجنوب رهينةٌ يومية لاعتداءات متنوعة الأشكال تطال غالباً بلدات على تماس مع المنطقة التي يحتلها جيش العدو الإسرائيلي. وضمن سياسة ممنهجة لتدمير القرى القريبة من الحدود أقدمت قوات الإحتلال في الساعات الأخيرة على تفخيخ ونسف وإحراق المزيد من المنازل في بنت جبيل ومثلث صف الهوا والطريق المؤدي إلى عيناتا.
أما زوطر الغربية التي انتشر فيها الجيش اللبناني فقد تسنّى لبعض سكانها دخولُها ضمن أوقات وشروط محددة كما وصلت الـNBN إلى قلب البلدة حيث كان المشهد مُفجعاً من حيث الدمارُ الشامل الذي حل بالمنازل والطرقات ومنشآت البنية التحتية والأشجار والأراضي الزراعية….
إذا كان المشهد في لبنان وجنوبه على هذا النحو فإنه في المنطقة توزعت وقائعه بين إيران واليمن والخليج وفلسطين المحتلة. في إيران لا غاراتٍ أميركيةً لأول مرة بعد ثلاث عشرة ليلة متتالية من الضربات الجوية.
هذا التراجع في منسوب التصعيد العسكري وازاهُ تقدمٌ في اللغة الدبلوماسية عبّرت عنه خصوصاً حراكات ومواقف باكستانية وصينية وعُمانية وإيرانية وأميركية. وتولّى تظهير المواقف الأميركية الرئيس دونالد ترامب بقوله حرفياً: “نحن نتحدث حالياً مع الإيرانيين… إنهم يُظهرون جديةً أكبر يوماً بعد يوم”. وانطلاقاً من هذا الكلام أكد ترامب أنه لم يتخذ قراراً في شأن احتمال توجيه ضربات أوسع على الجمهورية الإسلامية.
ويأتي كلام الرئيس الأميركي قبل الإجتماع الذي من المقرر أن يعقده الثلاثاء المقبل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض… فأيٌّ من الخيارين العسكري والدبلوماسي ستكون له الغلبة في الإجتماع؟.
لقاء ترامب ونتنياهو سيُعقد هذه المرة على إيقاع إنفجار متدحرج في الضفة الغربية التي تشهد حالياً استعدادات لعملية عسكرية إسرائيلية واسعة تطال خصوصاً محافظة نابلس غداة مواجهات مع الأهالي سقط فيها أربعة شهداء فلسطينيين وقتيلان في صفوف المستوطنين وعقب هذه المواجهات أطلق نتنياهو العنان للمشاريع الإستيطانية في الضفة. كما أن لقاء الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي سيُعقد هذه المرة على أصداء نجاح حملتهما في اقتلاع كريم خان من منصبه مدعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية. خان الذي سبق أن أصدر مذكرة توقيف بحق نتنياهو رحبت واشنطن باقتلاعه مما وصفتها “بالمؤسسة الفاسدة التي لا أمل في إصلاحها”… وإصلاحُها بالمقياس الأميركي يعني منعها من ملاحقة اي أميركي مهما كان جرمه فظيعاً!!!.
***********

من قصر الصنوبر حيث كتب فصل من التاريخ مع اعلان دولة لبنان الكبير في الاول من ايلول عام 1920، إلى المقر البطريركي الصيفي في الديمان حيث احتـُفل بتطويب البطريرك الياس الحويك، يلتقي الماضي بالحاضر ويـُكتب فصل جديد من لبنان القداسة. فالرجل الذي حمل قضية لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، وأسهم في توسيع حدود متصرفية جبل لبنان وولادة دولة الـ 10452 كيلومتر مربع، رفع اليوم إلى مصافي الطوباويين وبدأ رحلته على درب القداسة.
قبل اكثر من قرن, تحول البطريرك المؤسس في لحظة مصيرية من تاريخ المنطقة إلى رجل دولة قبل قيام الدولة ليساهم في صناعة وطن. حمل لبنان إلى العالم قبل أن يولد على الخرائط، وآمن بدولة حقيقية تكون المرجعية من دون ان يطالب بامتياز لطائفة، بل بوطن يتسع للجميع حتى عرف برجل السلام والتلاقي وليصبح أحد أبرز مهندسي الكيان اللبناني.
لكن أهمية الطوباوي الحويك لا تكمن فقط في أنه أسهم في رسم حدود لبنان، بل ايضا في رسم فلسفة الدولة التي أرادها. فمقولته الشهيرة: “طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين” لم تكن شعارا، بل رؤية لوطن يقوم على المواطنة قبل الطوائف، وعلى الحرية قبل الاصطفافات، وعلى الدولة قبل أي ولاء آخر.
واليوم، يأتي تطويب البطريرك الحويك في لحظة يواجه لبنان أسئلة وجودية تشبهه ، وإن اختلفت الظروف، تلك التي واجهها قبل مئة عام. فكما كان التحدي يومها ، تثبيت الكيان، يبدو التحدي اليوم ، تثبيت الدولة؛ وكما خاض البطريرك الحويك معركة الاعتراف بلبنان، يخوض اللبنانيون اليوم معركة استعادة مؤسساته وسيادته وقدرته على احتكار قرار الحرب والسلم. والاسئلة كثيرة: ماذا بقي من الحلم الأول؟ وهل ستنجح مساعي الحفاظ على لبنان الدولة التي ناضل البطريرك الحويك من أجل قيامها؟
الاكيد, وفي ظل المخاطر على الكيان التي تلوح في الافق, أن الدولة التي حلم بها الطوباوي الجديد، لا تزال مشروعاً يحتاج إلى من يكمل بناءها، تماما كما احتاجت قبل قرن إلى من يجرؤ على الحلم بها.


